• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

شخصيات وألقاب

سعد بن أبي وقاص.. الأسد في براثنه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 23 يونيو 2015

محمد أحمد (القاهرة)

سعد بن أبي وقاص بن مالك، صحابي جليل اشتهر ببطولات فذة، فتح مدائن كسرى وله فضل فتح العراق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا، ولد في مكة سنة 23 قبل الهجرة.

كان الرسول جالساً مع نفر من أصحابه فرأى سعد بن أبي وقاص مقبلاً فقال: «هذا خالي فليرني امرؤ خاله». نشأ سعد في قريش، واشتغل في بري السهام وصناعة القِسِيّ، وكان بارعا في الرمي، وحياة الصيد، يمضي وقته وهو يخالط شباب قريش وساداتهم، ويتعرف على الدنيا عن طريق الحجيج الوافد إلى مكة المكرمة.وكان إسلامه مبكراً، وهو ابن سبع عشرة سنة فيقول: «ولقد أتى عليَّ يوم، واني لثلث الإسلام»، فكان ثالث ثلاثة سارعوا إلى الإسلام، وكان ممن دعاهم أبو بكر الصديق للإسلام، وهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف.

بعد إسلامه تركت أمه الطعام ليعود إلى الكفر، فقال لها: تعلمين والله يا أماه، لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفساً، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فحلفت ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، فأنزل الله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، «سورة العنكبوت: الآية 8».

بشره النبي بالجنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه، ثم نظر في وجوههم، وقال لهم «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»، فإذا هو سعد بن أبي وقاص، وسأله عبدالله بن عمرو بن العاص أن يدله على ما يتقرب به إلى الله من عبادة وعمل، فقال سعد له «لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءًا». وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله، ففي غزوة الأبواء - أول غزوة للنبي - قال ابن اسحق: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبيدة بن الحارث فسار من المدينة حتى بلغ ماء الحجاز فلقي جمعا كبيرا من قريش ولم يكن نشب بينهم قتال بعد إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى بالسهم الأول في الإسلام، فحماهم يومئذ بسهامه. وقال ابن إسحاق: كان أصحاب الرسول إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب حتى لا يراهم أحد، وكان بينهم سعد بن أبي وقاص، فظهر لهم بعض المشركين فعابوا عليهم صلاتهم وقاتلوهم، فضرب سعد رجلا منهم وأسال دمه، فكان أول دم أريق في الإسلام. حظي - رضي الله عنه - بشرف أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه ففي يوم أحد عندما تفرق الناس أول الأمر عن رسول الله ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول يرمي جعل يحرضه ويقول له «يا سعد إرم فداك أبي وأمي»، وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته، ويقول علي ابن أبي طالب: «ما سمعت رسول الله يفدي أحدا بأبويه إلا سعدا، فإني سمعته يوم أحد يقول: ارم سعد.. فداك أبي وأمي». جاءت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنباء الهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين، وبمعركة الجسر التي راح ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد، وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم، فقرر أن يذهب بنفسه ليقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد الفرس ورأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه المهمة واحدا غيره. وتبنّى هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، وأمر عمر أن يجتمع المسلمون للشورى واستدعى علي ابن أبي طالب، وانتهى الرأي إلى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرروا أن يعود عمر إلى المدينة، وأن يختار قائدا آخر، وسأل أمير المؤمنين أصحابه: فمن ترون أن نبعث إلى العراق؟ وصمتوا قليلاً يفكرون، ثم صاح عبد الرحمن بن عوف: «الأسد في براثنه.. سعد بن مالك الزهري..» وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين إلى سعد بن أبي وقاص وولاه إمارة العراق، وقيادة الجيش.

فكان الأسد سعد بن أبي وقاص في القادسية وموقعة المدائن بعدها بعامين يزلزل الأرض ويأمر جنوده أن يعبروا نهر دجلة في موقع يأمنون على أرواحهم من كيد المشركين، كما يأمرهم أن يتذرعوا بالدعاء وأن يقولوا «حسبنا الله ونعم الوكيل»، واقتحم سعد بفرسه النهر ومع رجاله وفتح الله عليهم معقل الكفار، ودخل وفرسانه إيوان كسرى ملك الفرس بالقصر الأبيض، فخر ساجداً لله وقرأ قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، «سورة الدخان: الآيات 25-28»، توفي الصحابي الجليل ودفن بالمدينة، العام 55ه، وقد تجاوز الثمانين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا