• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  01:30    التلفزيون المصري: 20 قتيلا و35 مصابا في انفجار كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة        01:57    وزير الدفاع البريطاني: السعودية لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات    

وقت مستقطع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 08 يوليو 2014

مريم الساعدي

في الوقت الذي يفترض أن يتخفف الإنسان في هذا الشهر من الوجود المادي في سبيل وجوده الروحاني، نراه يتمرغ في الوحل المادي الاستهلاكي أكثر من أي وقت في السنة. أقطاب الترفيه التلفزيوني والتسويق التجاري يتضافرون لتسلية الصائم واتخامه. يتدافع الناس عند بداية الشهر لتنظيف السوق من أصناف الطعام، وكأن حرباً ستقوم تُغلق فيها المحال ويُحظر التجول. يسقط الواحد بعد الإفطار متخماً، بعد أن كان قد سقط قبل الإفطار في غياهب النوم والكسل. يموت الإنسان في النهار لأنه صائم ويموت في المساء لأنه متخم. وهكذا تموت الحياة. تتنافس القنوات التلفزيونية على عرض أكبر عدد ممكن من المسلسلات، حكايات عن عائلات تتفكك وقصص غرام ورقاصات يكافحن للوصول إلى النجومية وجرائم قتل يفتشون عن مرتكبيها وخيانات زوجية تبحث عن مسببها، وعلى الصائم أن يتسلى، فاليوم طويل ولا قهوة ولا شاي ولا طعام، وهكذا يجلس أمام شاشة يتابع حياة الآخرين وينسى حياته. شاشة متلونة تأكل بصره ووقته وأعصابه بركاكة إعدادها وتمثيلها وسيناريوهات هشة مثقوبة ركيكة؛ فلا هو فن يرتقي بالذائقة ولا هو تسلية مُحكمة ترفه عن النفس. مجرد تنافس في التفاهة والإسفاف والسخف والسطحية، على الشعب أن يضحك وينسى أنه صائم. علينا أن نُسلّي هذا الصائم المسكين المُبتلى بفريضة الصوم وكأنها طامة كبرى قد سقطت على رأسه وعلى كل الجهات الترفيهية أن تتضافر لكي ينسى مصابه الجلل! لكي ينسى صومه والهدف والمغزى من صومه، وحين ينسى المغزى يصير الصيام ثقيلاً ومملاً ويصير هذا الشهر وقتاً مستقطعاً وضائعاً من السنة. عند انتهاء ساعات العمل، يتبارى السائقون للوصول إلى منازلهم، كسالى متعبون من طول السهر، لا يرون أمامهم، تكثر الحوادث والإصابات والوفيات، لماذا؟ لأنه شهر الصيام، لا تركيز، والتعب ينهك البدن، والإمساك بمقود السيارة بشكل ثابت صار تحدياً كبيراً.

ما كل هذا؟!. ألأجل ذلك فرض الله الصيام؟.

كل الشعوب تصوم، لتسمو. ولكن لا أحد يجعل من صيامه قضية حياة أو موت كما نفعل نحن. كل حسب نيته، الهدف من الصيام عن الطعام هو أن تترك المسرح للروح. أن يترجل الجسد ويترك للروح القيادة. ليحصل ذلك، لا بد من التخفف من عوالق اليومي والمادي والمستهلك، لكي لا يطغى الطين على الروح. عندما تصوم فأنت تغسل طينك. تعيد صقله ليبدو أكثر شبهاً بك في بدايات الحياة. هو عملية صيانة دورية للروح. ما يحصل الآن معاكس تماماً للهدف، معاكس بشكل مستفز ومضحك. هذا الشهر هو وجهة الروح، المضحك أن ترى الجميع عوضاً عن ذلك يتجه نحو وجهة الجسد. مثل فريق كرة قدم يتجه بكل طاقته وعنفوانه وبكل إصرار ليسجل في مرماه معلناً بذلك خسارته.

هو شهر التخفف من التعب، من كل تلك العوالق المادية والآمال الدنيوية التي أنهكت الروح وأعطبت القلوب، من الانتظار المزمن للدنيا، هو الترفع عن الأرض وما عليها من طين وحشرات مؤذية وطحالب تسد مسام النفس، هو السمو نحو الأعلى، نحو السماء، مثل ولد مهاجر طوال العام يعود إلى بيته في إجازته السنوية. هو التوجه نحو الوجود الروحاني الخفيف غير المتطلب الذي يريدك كإنسان كما أنت ولا يريد منك شيئاً إلا أن تكون صافياً هادئاً متأملاً. هل يتأمل المتخم؟ هل يستطيع إنسان ملأ معدته بالطعام وقضى الليل ساهراً حتى الصباح على ترهات الدراما العربية أن يشعر بأي شعور غير الرغبة المُلحّة في النوم؟ ومع الرغبات الملحّة هل من جدوى لصيام؟!.

Mariam_alsaedi@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا