• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

تأملات

شحن طاقة الروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 08 يوليو 2014

أعتقد أن الكاتب أو الفنان عموماً، يعد قريباً من الروحانيات، أكثر من غيره من الذين لا يمارسون نشاطاً إبداعياً، فالفن قائم على التأمل والصفاء الروحي، وكذا العبادة قائمة على ذلك الصفاء، فكلما صفت الروح، وحلقت بعيداً في التأمل، كلما اقترب الإنسان من ربه، وأيضاً إذا أتينا لمسألة الإبداع، نجد الإبداع مرادفا في الغالب لصفاء المزاج، وإن كان بعض المبدعين، لا تمتلكهم شهوة الكتابة أو ممارسة الإبداع عموماً إلا إذا كانوا في لحظة توتر عظيم، وأستطيع بكل سهولة أن أشبه ذلك التوتر بلحظات الطلق التي تصاحب الولادة دائماً، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخدش الصفاء الروحي.

تلك كلمات عامة لوصف علاقة المبدع بنفسه الخلاقة، ولكن أغلبنا لا ينتبه لذلك، لأن التشبع بخامات الكتابة، والجلوس بعد ذلك لصياغتها نصوصاً جاذبة، يسرق وقت التفكير في كيفية حدوث ذلك، ربما يكون المبدع ساعتها قريباً من الذهول أو الانجذاب بلغة الصوفيين، ولذلك لا يحس بما حدث لروحه من تغير. بالنسبة لشهر رمضان المبارك، فهو كما هو معروف، الشهر الذي تتراجع فيه المعاصي عند معظم العاصين بدرجة كبيرة، ويسعى الجميع للمغفرة، والعتق من النار، فتجد التزاحم في الصلوات، خاصة صلاة التراويح والقيام، حيث يتلى القرآن الكريم بأصوات عذبة، وتقدم الخطب المصاحبة لتلك الصلوات. هنا يكون الصفاء الروحي في قمته، لكن لن يكون ثمة إبداع كتابي عند معظم من يحضرون تلك العبادة السامية، لأن شهر رمضان في رأيي أفضل وقت لمراجعة حسابات الطاعة ومحاولة تعديلها إن كانت ناقصة. صحيح إن هناك من يكتب ومن يحاول أن يكتب، لكني شخصياً أعتبره شهراً لشحن طاقة الروح أكثر من تفريغها وبالتالي لا تكون لديّ كتابة إبداعية، وإنما بعض الكتابات التي التزمت بها للصحافة. وقد حدثت كل تلك التغيرات، أعني الانقطاع عن الكتابة الإبداعية، في السنوات الأخيرة، ففي الماضي كنت أتعبد وأكتب ما يأتيني من دون التقيد بأي وقت.

أتذكر شهر رمضان في سنة بعيدة، حين جاءتني فكرة روايتي الأولى، المسماة: كرمكول، والصادرة عن دار الغد في مصر عام 1988. جاءتني فكرة كتابتها قوية، وجاء شهر رمضان متزامناً معها. كنت ما أزال طالباً في مصر، ولديّ التزامات أكاديمية في نهار رمضان، فكان أن بدأت أجلس من منتصف الليل، حتى أول الفجر يومياً لأكتب وأنا أحس بسعادة كبيرة، وأنني أستمد نشاطي من شحن الروح في أول الليل، لأفرغ الشحنة في منتصفه، وهكذا انتهت الرواية، وبعدها بيومين، انتهى شهر رمضان المبارك وكان للعيد طعم آخر، لا شك يحسه كل من أنجز رواية أولى، وسيسعى لنشرها بعد ذلك ليرى إن كان سيوصف كاتباً أم لا.

عموماً أنا شخصياً من عشاق شهر رمضان، يزداد عشقي له يوما بعد يوم، وأكيد كل من سعى لإلباس نفسه صفاء ما، لا بد أن يعشق شهر رمضان، شهر القرآن، والروحانيات والعبادة.

روائي سوداني*

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا