• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

حسين الواد يكتب تاريخ المدينة ويرصد تحولات روائحها

«روائح المدينة» تحكي قصة التحولات القسرية وسطوة الفساد والاستبداد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 07 يوليو 2014

محمد وردي (دبي)

الجزء الثاني من رواية «روائح المدينة» للكاتب حسين الواد، الصادرة حديثاً عن دار «ورق» للنشر والتوزيع، تحكي قصة التحولات القسرية، التي عصفت ليس بالمجتمع التونسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي فحسب، وإنما في جميع المجتمعات العربية، لأنها تحولات متشابهة في سيرورتها وصيرورتها على كل المستويات، أي في مساراتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مضت بها، وما انتهت إليه أو صارت عليه.

الثيمة الأدبية

تقوم الثيمة الأدبية على روائح المدينة، التي حملت الرواية اسمها، وأعطاها الكاتب ما تستحقه من سرد وتوصيف، حيث أجاد وجَوَّدَ فضاءاتها بكل المعاني اللغوية ودلالاتها واشتقاقاتها وإحالاتها الرمزية والدلالية. لذلك تتمثّل روائح المدينة، بروائح أهلها وناسها بعرقهم وكدهم، بأفراحهم وأتراحهم، بتمازجهم واندماجهم ببعضهم البعض، حيث يتشاطرون الأحلام والطموحات، كما يتقاسمون سطوح بيوتهم المتعانقة بإلفة وحميمية صادقة. فالمدينة بهذا المعنى هي المدينة الفطرية قبل تشكلها الحديث، أي قبل أن يزحف عليها الإسمنت والطابوق، ويحيلها إلى كتل خراسانية صلدة، صماء، قبيحة. كذلك الأمر بالنسبة إلى أهل المدينة وأرواحهم أو روائحهم التي كانت تجمعهم المجامع بثقافتها الشفافة وقيمها المرهفة، قبل زحف الحداثة الشوهاء، التي أحرقت الأخضر واليابس، وقتلت ما تبقى من وشائج وقيم أخلاقية ودينية وعادات اجتماعية حميدة، حينما تَغَوَّلت أسرة صالح قاسم، وعمَّت رائحة الفساد وفاحت عفونته، حتى فاضت على المدينة وأهلها من كل الجهات، وأحالت ضوعها وعبقها الذكي نتناً زكم الأنوف وعمى القلوب وغشَّى البصائر ولوَّثّ الأذهان وأنهك الأبدان. «إنها رائحة غريبة عمّا عرف أهل مدينتي من عجيب الروائح فهي، في ما يقولون ويعيدون مبالغين ومقتصدين، منذ خيّمت عليهم ورشّتهم بنتنها ملحقة بهم في حياتهم فساداً يعسر منه الخلاص، جيفة دخيلة وقحة متعجرفة جلفة رعناء جشعة غشوم متغطرسة بذيئة لا يحيط بها وصف أو تؤديها عبارة». إنها رائحة الفساد والاستبداد، التي فرضت سلطانها وهيلمانها على كل ماهو جميل، وأحالته إلى قباحة مستوطنة في النفوس والعقول، بحيث لم يعد أحد يميز بين خمج الفجل والكراث أو بين عبق الفل والياسمين. كما ضاعت الحدود الفاصلة بين الفضيلة والرذيلة إلا من رحم ربك. ذلك لأنها تقادمت وتراكبت على مدى سنوات طويلة من الخيبات والانكسارات.

تمظهرات الحداثة

تقدم الرواية بحرفية أدبية وفنية عالية تمظهرات الحداثة المشوهة التي أفرزها سرطان الفساد، سواء على مستوى التجويع والإفقار وتعميم الأمية، أم على مستوى إصابة الفكر العربي بمقاتل لم ينج منها حتى اللحظة الراهنة، حيث راحت الأفكار تتزاحم وتتلاطم على عتبة السلطة دون أن تتمكن من عبور بواباتها، فغرقت في متاهات من التناقض والاحتراب بين العقل والنقل، أدى إلى تمزق البنى الاجتماعية وتفككها، من دون نجاح يذكر لكلا الفريقين. ذلك لأن السلطة كانت على الدوام تتمكن من توزيع القوة بمقادير تُديم الصراع ولا تحسمه بين العقلانية الخائبة والماضوية البائدة. فصار «الخلاف بين النابهين في مدينتنا ومؤرّخهم يكمن في أنهم يرون الماضي إمّا دائمًا أفضلَ من الحاضر، فهم يُحكّمون الأموات في شؤون الأحياء، أو دائمًا أسوأ منه، فهم يضحكون من سذاجة الماضين في انتظار مستقبل لا يهلّ». ولذلك باتت «نجاتكم من هذا الخُرْم الذي غطستم فيه، متى كانت لكم منه نجاة، انقلابٌ يضرّ ولا ينفع، كمن يقتلع بصلة ليغرس مكانها ثومة. من نتن إلى نتن أشدّ. أو...أو... كيف أقول؟ هبّة شعبية تبغتكم كالإعصار فتدعكم بين تصديق وتكذيب حتى إذا انقشعت عنكم غمامةُ الذهول ذرَتكم حيارى تتساءلون عن الصيف الذي ضيّعتم فيه اللّبن. حينها تدركون أن الساسة خذلوكم، وأن المثقفين أضاعوكم»، سواء منهم أهل العقل أو أهل النقل، لأن الطرفين بحكم فشلهما وسطوة الفساد وقوة السلطة الغاشمة تعايشا مع فتاتها وتساكنا مع المهانة واستمراء المذلة. ومن فاضت مظلماته على صبره لاذ بالقوارب للفرار من جحيم العبودية، حيث «ركب أهل مدينتنا جنون الهجرة. أصبح منتهى الآمال لديهم أن يظفروا بمنفذ يمرّون منه إلى أمريكا أو كندا أو أوربا أو أستراليا».

ثلاثية الأصوات

في محاولة للالتفاف على الواقع السلطوي والنخبوي في آن، وفي الوقت عينه لدس بعض المقاربات الفكرية والفلسفية، للقضايا الاجتماعية والثقافية التي يتناولها النص الروائي، يعتمد الكاتب على تقنية سرد ثلاثية الأصوات. الصوت الأول هو الكاتب، أو الجد الذي أودع الجزء الأول من مخطوطته لدى أحد معارفه للنشر، وترك لحفيده الجزء الثاني من مخطوطته الروائية، كما ورد في إضاءة «الراوي الحفيد والناشر». أما الصوت الثاني فهو الراوي، أو الشاهد الحيادي على مجريات الوقائع والأحداث. في حين يقوم بدور الصوت الثالث، المؤرخ الحزين، الذي تُرك من دون اسم، كونه يقوم بمقام الشاهد على تحولات التاريخ وتدحرج الزمان على المدينة وأهلها، أو هو الضمير الحي، أو الوجدان والناموس الاجتماعي، القابض على قيم المدينة.

كذلك يعتمد الكاتب في النص الروائي على تقنية سرد ثلاثية الأسلوب، فالكاتب أو الجد هو ابن المدينة، الذي يتحدث بلغتها الصخابة، الميالة للهرج والمرج، بعاميتها الجريئة وفصاحتها البذيئة. بينما الراوي يميل إلى لغة أكثر رقياً، فهو يحاكي السرديات العربية العريقة - مثل المقامات والامتاع والمؤانسة-، ولكنها مطعمة بمفردات العصر بنكهة شعرية فصيحة. في حين أن لغة المؤرخ الحزين تضرب عميقاً بجذور البلاغة والبيان بنكهة فكرية عميقة وتساؤلات فلسفية اكثر عمقاً، فهو الحارس على تاريخ المدينة وقيمها وعاداتها، وهو عمود هُويتها الثقافية الضاربة الجذور بوعيها لخصوصيتها العربية والإسلامية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا