• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

عرّاب الأدب الأميركي اللاتيني على مشرحة الكبار

محاكمة بورخيس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 أكتوبر 2017

أحمد فرحات

لا تحتاج إلى كبير عناء حين تجلس إلى خورخي لويس بورخيس (1899- 1986) لتحاوره، لأنه هو في كثير من الأحيان، يسأل نفسه ويجيب نفسه، ويستطرد في الكلام مع نفسه، وما لم تُقدم على إيقافه في اللحظة المناسبة، طارحاً عليه سؤالاً جديداً، فإنه يمعن في جرفك بسيل كلامه، فهذا الأديب والشاعر الأرجنتيني الكبير، الذي طبّقت شهرته الآفاق، خصوصاً كعرّاب للأدب الأميركي اللاتيني في جانبه السردي، هو حكّاء من طراز عجيب، وصاحب كاريزما متشامخة، يجلّلها عَماهُ الآسر، وبثه الشجي للكلمات من لواعج روحه. كما أنّ كاريزماه تتجلّى، حتى في طريقة إمساكه بعصاه بكلتا يديه الضخمتين شبه المتهالكتين.

ثلاث مرات التقيت خورخي لويس بورخيس. كان الأول في باريس ربيع عام 1980 في منزل الصديقة الفرنسية من أصل أرجنتيني: ليونور غونزاليس. أما الثاني، فكان في مقهى الدوماغو الشهير في باريس عام 1982. وجرى الثالث في أحد مقاهي جنيف الكلاسيكية القديمة عام 1983. وأعترف بأنه لولا الصديقة الأرجنتينية المثقفة في الصميم، والتي حوّلت منزلها في باريس إلى شبه صالون أدبي خاص بالأدباء الناطقين باللغة الإسبانية، لما حظيت بكرم هذه اللقاءات مع هذا الكاتب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين.

وكان بورخيس في هذه اللقاءات أو المحاورات، هو نفسه بورخيس الفوضوي، العابث، الصخّاب، المتفلّت، «المهذار» في الكلام، ورسم المناخات المسحورة ذات الأنساق المتعارضة، ولكن الجاذبة عموماً

كلام بورخيس يشبه أدبه بشكل عام. تراه يخلط الأمكنة بالأزمنة، والماضي السحيق بالحاضر المتناظر والمستقبل البعيد. ولا غرو، فهو الذي عُرف بابتكار جنس أدبي سمّاه «فِيكون»: عبارة عن سرد يزاوج بين القصة والمقالة، وأحياناً بين القصة والتقرير الإخباري. ويتميّز نصّه السردي إجمالاً، بأنه نصّ المزج الأسطوري بين الأدب والتاريخ، وتقديم كائنات الهامش على كائنات المتن، والتعاطي مع الحدث، كبيره وصغيره، كملحمة بنائية على أرض الواقع، ثم إن بورخيس بارع جداً في الجمع بين تراثات الشعوب والترحُّل بين الحضارات، ولا سيما العربية والإسلامية منها، فضلاً عن تراثات الصين والهند واليونان ومصر القديمة وبلاد ما بين النهرين وفينيقيا... إلخ. فله مع تراث «ألف ليلة وليلة»، مثلاً، جولات وصولات من التأثر والمحاكاة. كما كان «دون كيخوته» لسرفانتس من مصادره الأساسية في التحليق الحكائي الميلودرامي بمبالغاته المستحبّة.

بورخيس ونقطة أوميغا ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا