• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

عندما يبدأ المقرضون في عرض خدماتهم على الدول الأكثر فقراً، فإن قيم التعاون ومساعدة المحتاجين تتبخّر أمام منطق السوق الذي يتميز «بالوضوح» و«الحساسية»

الأزمة اليونانية والاحتكام للغرائز الإنسانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 20 يونيو 2015

هناك أمران يكون من المهم الانتباه إليهما أثناء متابعة الوضع الراهن في اليونان. يكمن أولهما في أن البلد لن يكون بكل تأكيد في حال أفضل مهما كانت طبيعة الصفقة التي سيقدمها أعضاء منطقة «اليورو»، وتفيد الثانية بأن من غير المؤكد بالضرورة أن اليونان سوف توافق على تلك الصفقة.

وليست هذه هي المرة الأولى التي أعرض فيها لمثل هذا الرأي حول بعض السياسات الاقتصادية للبلدان. وسبق لي أن قلت إن الإبقاء على معدل التضخم الهائل في زيمبابوي هو فكرة سيئة. وأن سلوك فنزويلا في تبديد صناديقها على الاستثمار لمجرّد الإبقاء على قدرتها على ضخ النفط وتأمين الحاجة للإنفاق الاجتماعي، هو فكرة سيئة أيضاً. ويمثل قرار الأرجنتين بتطويع الدائنين وإجبارهم على التخلي عن شروطهم، حتى لو حدث هذا على حساب تعثر جهودها للحصول على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي، فكرة سيئة أخرى. والآن، وحيث بدأت اليونان تمازح «اليورو» بشيء من الإثارة، فإن الأمر لا يبدو وكأنه يمثل فكرة جيدة.

فلماذا تحدث مثل هذه الأمور؟. والجواب هو أنها تحدث لأن منطق السوق لا يتوافق مع الغرائز البشرية التي يتصرف بموجبها الغرباء، ويتنافى مع المعايير الأساسية لمفهوم العدل والإنصاف. دعنا نقلّب هذه الأمور من وجهة نظر اليونانيين. فلقد كتب عليهم أن يقعوا تحت حزمة ضخمة من الديون لمصلحة «غرباء» من الذين هدروا الكثير من الوقت حتى توصلوا إلى وصفهم بأنهم مجرّد طبقة من المبذّرين المتهرّبين من دفع الضرائب. إلا أن هؤلاء الغرباء أغنى بكثير من اليونانيين. وما فتئ اليونانيون يتلقون منهم الأوامر بالاقتطاع من كذا وكذا في وقت يعاني فيه المتقاعدون من ضيق ذات اليد، وتأتي الأمراض وتذهب من دون توفر القدرة للحصول على العلاج اللازم، ويجاهد فيه العاطلون عن العمل للحصول على لقمة عيشهم. ولا شك أن الألمان لن يحرموا أنفسهم من إحدى الوجبات اليومية لو أنهم تنازلوا لليونان عن بعض الشروط الصعبة لدفع التزاماتها. كما أن الغالبية العظمى من الشعب اليوناني سوف تعاني الكثير لو أنهم استجابوا لمطالب دائنيهم.

ويمكنك أن تقول إن الحكومة اليونانية كانت تبالغ في استهلاك وتبديد المصادر الحقيقية للبلد، إلا أن التأخر عن دفع الدين سيزيد الأمر سوءاً، لأن عجز الدولة عن تحصيل الضرائب المدينة بها للغير يمثل جزءاً كبيراً من مشاكلها المالية. وربما تبدو العديد من هذه الأفكار واقعية، إلا أنها تبتعد عن القضية ذاتها من وجهة النظر العاطفية.

ويتمتع البشر بالعديد من الميول الغريزية التي تدفعهم للبحث عن العدل والتعاون والوفاء، وهي الخصال التي ساعدتنا على مواصلة الحياة ضمن التجمعات الصغيرة التي نعيش فيها عبر تاريخنا. ونحن نشعر بالغريزة بأن من الخطأ أن يقاسي البعض من القلّة فيما ينعم آخرون بالفائض والوفرة. كما أننا ميّالون بغرائزنا للاهتمام بمعاناة الناس المقربين إلينا بأكثر من اهتمامنا بالبعيدين عنا. ولولا هذه الحقيقة الأخيرة لما عمدت الدول الصناعية الغنية إلى العمل بالبرامج الاجتماعية على الإطلاق، ولكانت اكتفت بإرسال فائض أموالها إلى أكثر شعوب الأرض فقراً.

وأما المعايير المجحفة التي تحكم أسواق البورصات، والتي يعتمد عليها الأغنياء، فقد جاءت بعد ذلك بوقت طويل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا