• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

تذكروا هؤلاء الصحابة

سعيد بن عامر.. والي الشام الزاهد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 06 يوليو 2014

أحمد مراد (القاهرة)

أسلم الصحابي الجليل سعيد بن عامر - رضي الله عنه - قبل فتح خيبر، ولازم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع غزواته، وفي غزوة اليرموك، كثر عدد الروم، فاستغاث قادة الجيوش الإسلامية بأبي بكر رضي الله عنه، فأمدهم بسعيد بن عامر.

وكان سعيد تقياً ورعاً زاهداً، ويروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يبحث عن صحابي يوليه على الشام، وكانت الشام في ذلك الحين بلداً كبيراً، ومركزاً مهماً للتجارة، ودار إغراء لكثرة ثرواتها، ولا يصح لها في نظر عمر إلا زاهد، فصاح عمر قائلاً: ائتوني بسعيد بن عامر، فجاء سعيد إلى أمير المؤمنين، فعرض عليه ولاية حمص، فاعتذر سعيد قائلاً: لا تفتني يا أمير المؤمنين، ولكن عمر أصر على رأيه وقال: والله لا أدعك، أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي، ثم تتركونني. فوافق سعيد سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، وخرج إلى حمص ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وزوده عمر بقدر من المال. ولما وصلا إلى حمص أرادت زوجته أن تستفيد من المال الذي أعطاه عمر لهما، فأشارت على زوجها سعيد بأن يشتري لها ما يلزمها من الثياب والمتاع، ثم يدخر الباقي، فقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعط هذا المال لمن يتاجر لنا فيه ويزيده. فقالت: فإن خسرت تجارته؟ قال سعيد: سأجعل ضمانها عليه، فقالت: نعم، وخرج سعيد فاشترى بعض ضرورات حياته، ثم تصدق بجميع ماله على الفقراء والمحتاجين، وكانت زوجته كلما سأ لته عن التجارة، يقول لها: إنها تجارة موفقة، وإن الأرباح تزيد كل يوم.

ضحك الزوجة

وذات يوم أعادت سؤالها عليه أمام قريب لهما يعرف حقيقة الأمر، ويعلم ما صنعه سعيد، فضحك ضحكة فهمت منها الزوجة شيئاً، فألحت عليه أن يصارحها بالحقيقة، فقال لها: إنه تصدق بالمال كله في ذلك اليوم البعيد، فبكت زوجته، وحزنت على المال الذي لم تنتفع منه بشيء. فنظر إليها سعيد، وقال: لقد كان لي أصحاب سبقوني إلى الله، وما أحب أن أنحرف عن طريقهم، ولو كانت لي الدنيا بما فيها. ثم قال: تعلمين أن في الجنَّة من الحور العين، والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعاً، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معاً، فلأن أضحي بك من أجلهن أحرى وأولى من أن أضحى بهن من أجلك، فاقتنعت زوجته، وعلمت أن ما فعله زوجها هو الصواب.

الإغماء

وكان أهل الشام يحبون سعيد بن عامر حباً شديداً، ويفرحون بإمارته وولايته عليهم، حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال له يوماً: إن أهل الشام يحبونك، فقال له سعيد: لأني أعاونهم، وأواسيهم. وحدث أن اشتكاه بعضهم لأمير المؤمنين عمر؛ فعندما سألهم عمر قائلاً: ما تقولون في سعيد؟، فقال بعضهم: نشكو منه أربعاً لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، ولا يجيب أحداً بليل، وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه، وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا، وهي أنه تأخذه الغشية «الإغماء» بين الحين والحين، فقال عمر في نفسه: اللهم إني أعرفه من خير عبادك، اللهم لا تخيب فيه فراستي، ثم دعا عمر سعيداً ليدافع عن نفسه. فقال سعيد: أما قولهم: إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب، إنه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج إليهم. أما قولهم: لا أجيب أحداً بليل، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب، إني جعلت النهار لهم، والليل لربي. وأما قولهم: إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما، فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس لي ثياب أبدلها، فأنا أغسل ثوبي، ثم أنتظر حتى يجف، ثم في آخر النهار أخرج إليهم. وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين والحين، فقد شهدت خبيب بن عدي حين صلب بمكة، وهم يقولون له: أتحب أن محمداً مكانك، وأنت سليم معافى؟ فيجيبهم قائلاً: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، ثم دعا عليهم قائلاً: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، فكلما تذكرت ذلك المشهد الذي رأيته، وأنا يومئذ من المشركين، أرتجف من عذاب الله، ويغشاني الذي يغشاني، ففرح عمر لما سمع هذا، وقام يعانق سعيداً ويقبل جبهته ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب فراستي.

وكان سعيد - رضي الله عنه - يتصدق براتبه على الفقراء والمحتاجين، ولقد قيل له يوماً: توسع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك. فقال: ولماذا أهلي وأصهاري؟ لا والله، ما أنا ببائع رضا الله بقرابة، ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول.

وتوفي سعيد رضي الله عنه سنة 20 هـ في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، وهو في الأربعين من عمره.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا