• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا : عن جواب كانط عن سؤال:«ما الأنوار؟»

فوكو.. الخروج من الوصاية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 نوفمبر 2016

عبد السلام بنعبد العالي

أهمية بالغة سيتّخذها جواب كانط عن السؤال:«ما الأنوار؟». قبل أن نبيّن ذلك لنذكّر بحيثيات ظهور هذا النصّ.

ظهر هذا الجواب سنة 1784 على صفحات «مجلة برلين»، وهذا الأمر لا يخلو من دلالة، ففضلاً على أن «نزول» النصّ الفلسفي إلى الصحف والمجلات لم يكن أمراً معتاداً، فإن طرح المسألة بهذا الشكل يدل على راهنيتها، أو لنقل إنها من القضايا التي كانت «تفرض ذاتها» فتطرح على السّاحة.

ما يؤكد ذلك هو أن كانط ليس هو من طرح هذا السؤال، وإنما هو سؤال ظهر في هامش مقال كتبه راهب بروتستانتي في عدد شهر ديسمبر من سنة 1783 من المجلة نفسها، وكان مندلسون قد سبقه في الشهر السابق إلى الإجابة عنه.

يرى ميشيل فوكو أن هذا النصّ، رغم أنه قد نُشر في ترجمته الفرنسية ضمن كتاب يحمل عنوان «فلسفة التاريخ»، فإنه لا يجيب، على غرار النصّوص الأخرى التي نشرت معه، على السؤال: إلى أين نتجه، وما دور الأنوار في تحديد المستقبل؟ وما طبيعة هذا المستقبل؟ هل هو ارتقاء وتقدّم واتجاه إلى الأحسن، أم هو انحدار وتقهقر؟ إن نص «ما الأنوار؟» ليس تحليلاً للحظة تاريخية باعتبارها لحظة من لحظات صيرورة تاريخية عامة، وهو لا ينخرط ضمن تفكير تاريخي غائي، إنه، بالأولى، جواب عن السؤال: ما الأنوار بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش هذا الحاضر؟ ما الأنوار من حيث هي حاضرنا، وليس بما سيترتب عنها فيما بعد. فهذا النصّ لا يدخل ضمن «فلسفة التاريخ»، وإنما يؤسس لمبحث جديد هو «أنطولوجيا الحاضر»، أو لنقل إنه يوجه البحث الفلسفي نحو مسار جديد، مسار آخر، مسار الحداثة.

لأجل ذلك، يولي ميشيل فوكو كبير أهمية لهذا النص، ففضلاً على أنه تحدّث عنه أكثر من مرة، فإنه يعتبره نصّاً فريداً من نوعه، لا ضمن كتابات كانط وحده، وإنما في تاريخ الكتابة الفلسفية. اعتباراً بأنه النصّ الفلسفيّ الذي يؤسس للحداثة، إذ فيه تُطرح لأول مرة مسألة الحاضر، ويُسأل: ما الذي يحدث الآن؟ ما هذا الآن الذي يحدّد اللحظة التي أكتب فيها؟ هذا السؤال في نظر فوكو سؤال لم يتقدم في تاريخ الفلسفة.

صحيح أن الإحالات إلى الحاضر، إلى الراهن والوضع التاريخي، وإلى الملابسات التي يمكن أن تكون لها أهميتها بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، ليست بالأمر الجديد في تاريخ الفلسفة، فالمعروف أن ديكارت يروي في القسم الأول من «مقال في المنهج»، مساره والقرارات التي اتخذها سواء فيما يخصّه هو، أو ما يخصّ الفلسفة ذاتها، آخذاً بعين الاعتبار الوضعية التاريخية، المعرفية والعلمية والتربوية التي تميّز حاضره، إلا أننا لن نعثر عند ديكارت على مثل السؤال الذي يجيب عنه كانط، والذي يخص الحاضر الذي ينتمي إليه. فديكارت، الذي اعتدنا أن نعدّه أباً للفلسفة الحديثة، يقتصر في رجوعه إلى حاضره التاريخي، على البحث عما من شأنه أن يحدّد جوابه عن هذا السؤال أو ذاك، فهو لم يكن معنياً بالسؤال: ما الذي، في هذا الحاضر، يتخذ دلالته بالنسبة إلى فكر فلسفي حق.

إن تحديد الأنوار على أنها «خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته. والذي يَمْثل في عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير»، تحديد الأنوار على أنها خروج عن الوصاية، وإقرار بأتونوميا الإنسان واستقلاله الذاتي، لهو تأكيد بأن الإنسان أصبح ذاتاً مستقلة، وإقراراً بميلاد الإنسان بالنسبة إلى ذاته، ميلاد الإنسان كذات فاعلة، ككوجيطو تاريخي.

لا يتعلق الأمر إذن بتحليل الحاضر في علاقته بالماضي والمستقبل، ولا يتم النظر إلى الأنوار هنا بما هي «حركة» تاريخية، ولا حتى بما هي ملابسات تحدد موقفي الفلسفي وطريقة تفكيري، وإنما بما هي شكل جديد لتحديد علاقة الإنسان بذاته ووضعه الحاضر، وبما هي ميلاد للكوجيطو التاريخي و«للحداثة الفلسفية».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف