• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

بدر شاكر السياب سينمائياً

خبايا حياة قصيرة في فيلم قصير

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 20 يونيو 2015

محمود عبد الله (أبوظبي)

 

منذ أن أصدر بدر شاكر السيّاب (1926 ـ 1964)، ديوانه الشهير «أنشودة المطر» في بيروت عام 1960، عرف طريقه إلى تجديد الشعر العربي عروضاً وبياناً، بحيث استطاع أن يعبّر به عما يجيش في فكره ووجدانه، ولا شك لعديد النّقاد أنّه انتفع به بمنهج الشاعر والناقد الانجليزي ت. إس. إليوت عن لندن في «الأرض الخراب»، ولكن ليس من شك أيضاً في أن السيّاب لم يقلّد وإنما خلق شيئاً جديداً، ثم هناك أيضاً سؤاله الخطير: «واليوم؟ ما نفعل؟ نزرع أم نقتل؟، وهناك انتفاعه من صورة المدن الملعونة التي خرّبها الله لسلوك أهلها (سدوم وعامورة)، وإيحاؤه بأن بغداد صائرة إلى مصيرها، بل ومصير عاد وإرم ذات العماد، وهو في قصيدة «أنشودة المطر» يعبّر عن الجدب والعقم والخواء الشامل في حياة العراق باستغلال صور الجفاف والعطش وانقطاع الغيث عن الأرض. ولعل استشرافية السياب تتمثل أمامنا في الواقع المبهم والمشتت الذي يعيشه العراق اليوم، من أحداث وتقلبات تاريخية وسياسية، وكأن «أنشودة المطر» تعيد كتابتها اليوم لتصور خريطة هذا البلد العريق بكل ما فيه من أوجاع وموت وإرهاب ودمار ودم.

دارس شعر السياب يجد أنه ابتنى لنفسه مدينة من مدن الأحلام كان يرتد إليها كأنها المرفأ الأمين كلما اضطربت فيه أو من حوله الحياة، وهذه المدينة السحرية التي تبدو في شعره كالجنّة الضائعة هي بلدته «جيكور» التي تغنى بها في معظم دواوينه (المعبد الغريق، منزل الأقنان، شناشيل ابنة الجلبي).

المخرج العراقي جودي الكناني اتخذ من قصائد االسياب، وبخاصة «أنشودة المطر»، معبراً ومفتاحاً لبناء فيلمه القصير (45 دقيقه) بعنوان «مطر على جيكور» ـ إنتاج دائرة السينما والمسرح لمصلحة وزارة الثقافة العراقية ـ لتصوير أهم مفاصل حياة وعوالم السياب وخلاصه بالموت، ما بين جيكور والكويت، ما بين التابوت الوحيد الذي تتراءى من خلاله مفاتيح الكنيسة والشموع والتراتيل، وكأن مشهد اليوم الذي يعيشه العراق المنكوب، يجعلنا نؤكد أهمية الروح الإنسانية في عالم يحيط به الخراب الذي يصنعه الإنسان بجهله وتعصبه وتطرفه، عالم كان السياب يراه في يقظته وحلمه في تكوين جمع (القصيدة، المرأة، الموت، العراق)، حيث كانت الصورة السينمائية في هذا الفيلم المهم امتداداً للصورة الشعرية وفي نسق ولغة سينمائية معاصرة.

جدير بالذكر أن المخرج جودي الكناني هو أحد المخرجين الذين برزت تجربتهم في المهجر، درس الإخراج السينمائي في معهد كارجيالي في بوخارست عام 1983، وأخرج سبعة أفلام قصيرة في رومانيا، صور مشاهد فيلمه هذا (كتب له السيناريو أيضاً) في قرية جيكور في البصرة، مسقط رأس السياب، حيث نهر بويب وعذابات المرض والشقاء.‬

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا