• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

نيتشه.. المُعتزِل في فردانيّته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 نوفمبر 2016

كتابة آلات رولان

ترجمة أحمد حميدة

يتمفصل الفكر النّيتشوي عن الفرد قبل كلّ شيء حول أكثر الثّنائيّات إثارة: هي تلك التي تضع وجهاً لوجه «الضّعفاء» و«العبيد» من ناحية و«الأقوياء» و«السّادة» من ناحية أخرى. وعلى عكس ما يذهب إليه بحماس أولئك الذين لم يقرؤوه البتّة، فإنّ نيتشه لا يعني بذلك أن الطّرف الثّاني يهيمن أو أنّه مطالب باستعباد الطّرف الأوّل، وإنّما أنّ المنتمين إلى الطّرف الأوّل، والذين يمثّلون السّواد الأعظم، هم عبيد ضعفهم، ضعف مردّه إلى غياب الإرادة وعدم الإقبال على الحياة، إذ هم يؤثرون، وهم المبغضون لأنفسهم، ألاّ يكونوا «أفراداً» والذّوبان في الاختلاط وفي امتثاليّة «الدّواب الجريئة.. الجماعيّة» أو «القطيع».. عبارة لا تنفكّ تتردّد في جميع أعماله، وتحتشد بكلّ معاني الازدراء. وفي «جينيالوجيا الأخلاق» كانت له هذه الكلمات:«وهم يرغبون في التخلّص من حزنهم الدّفين وإحساسهم بالهوان، يتوق كلّ المرضى غريزيّاً إلى تشكيل قطيع».

الطّريق إلى الذّات

في نفس المقطع يوضّح نيتشه أنّه «بقدر ما يميل الأقوياء بشكل طبيعيّ إلى التّباعد، بقدر ما يميل الضّعفاء إلى«التوحّد». و«القويّ »الذي يريد من أعماقه أن يكون سيّد نفسه، يحبّ أن يكون فرداً – ذلك التّكوين الأكثر حداثة – إذ أنّ سعادة القطيع أقدم من سعادة الأنا» (هكذا تحدّث زرادشت). رافضاً أن يكون حيواناً اجتماعيّاً وقربانيّاً، فإنّ الفرد النّيتشوي لا يمكنه التنفّس إلاّ خارج الصفوف المرصوصة لأولئك الذين لا يسعون إلاّ جماعة: «أريد المضيّ نحو غايتي فأسعى إليها بخطوتي» (هكذا تحدّث زرادشت)، ففي انفلات عقله الظّمئ إلى الحريّة يجد صوابه وبهجة الحياة (وهذا ما يجعله يزدري الكائنات الجماعيّة). نيتشه الذي اشتهر باسم «الفكر الحرّ» - ذلك الذي يفكّر بطريقة أخرى غير متوقّعة، بالنّظر إلى أصله، ووسطه وحاله ووظيفته، أو باعتبار الآراء السّائدة في زمنه (إنسان مفرط في إنسانيّته). إنّه الاستثناء لأنّ «الحريّة لا يدركها إلاّ عدد قليل من النّاس، فهي امتياز للأقوياء (ما وراء الخير والشرّ). وضمن هذه الأقليّة، فإنّ قدر كلّ واحد أن يعيش لوحده، بمنأى عن الحشد من النّاس:«أوتريد أن تتوحّد؟ أوتريد البحث عن الطّريق التي تقودك إليك؟» (هكذا تحدّث زرادشت). كلّ أعمال نيتشه، مسرودة بأيما أسلوب، تمثّل العزلة فيها الخيار الأوحد المتاح، السّبيل الملكيّة الأكثر قساوة وتحفيزاً.. تلك الموهوبة للكائن الذي يريد أن يعيش فرادته كفرد حرّ ينشد الكمال». ذلك الذي يمضي في دروبه الخاصّة، لا يلتقي فيها أحداً، لا أحد فد يأتي ليسعفه وينير طريقه: مخاطر، صدف، شراسة وعواصف.. وكلّ ما يباغته وينقضّ عليه، ينبغي له وحده التغلّب عليه.. ذلك أنّ تلك السّبيل هي سبيله (فجر).

ولكن إلى أيّ أمر تراه ينذر نفسه ذلك المعتزل؟ ذلك الّذي يقول: «إنّه لمن البغيض لديّ اقتفاء أثر الآخرين أو إرشادهم. أن أكون خاضعاً ومطيعاً؟ لا.. أبداً.. أبداً.. لن أسوس أو أحكم (العلم الجذل). إنّه يتهجّى العيش كـ«فرد.. سيّد نفسه»، كـ«فرد مستقلّ بذاته وفوق الأخلاق»، كـ«إنسان يتمتّع بإرادة حرّة، مستقلّة ودائمة»(جينيالوجيا الأخلاق). إنّه متى شرع في التخلّص من كلّ الرّوابط التي تقيّده، وتضامَنَ رغماً عنه مع من لا يألف، فيقيناً أنّ دوافع ذلك لن تكون سلبيّة وتفاعليّة (الخوف من الآخرين)، وإنّما إيجابيّة وفاعلة، ألا وهي أن يتذوّق متعة أن يكون نفْسه:«لتعش مختفياً كيما تتمكّن من العيش لذاتك»(العلم الجذل). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف