• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

العائدون من الموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 نوفمبر 2016

د. العادل خضر

ربّما كان فيلم «دراغولا» الّذي أخرجه للسّينما المخرج الكبير «فرنسيس فورد كوبولا» أبرز الأفلام الّتي أخرجت شخصيّة دراغولا على نحو تراجيديّ. فقد أكسبه سمات بشريّة بثّت فيه الحياة، فأعادت إليها روحاً كان قد فقدها لمّا ماتت زوجته في بعض الحروب منتحرة بعد أن بلغها خبر موت «دراغولا» الزّائف. فعطشه الدّمويّ إلى الانتقام قد جرّده من بشريّته وحوّلته اللّعنة الكنسيّة إلى كائن ليليّ ملعون لا هو بالحيّ ولا هو بالميّت، يقتات من دماء ضحاياه في حياة أبديّة لا تعرف الموت ولا السّكينة.

يبدو أنّ شخصيّة «دراغولا» مستوحاة من طراز الإنسان «الميّت الحيّ» الرّائج في الثّقافات الشّعبيّة. هذا «الإنسان» المفرط في إنسانيته، إنّما هو كائن ميّت ولكنّه ما زال يتحرّك ويعيش بإرادته أو دونها. وهو صنفان، صنف هو في الأصل جثّة فيها بقيّة باقية من الرّوح فهو ما زال محافظا على جسده، وصنف ثان قد اندثر جسمه فلا وجود له بلا ماهية ملموسة. فهو أرواح أشخاص قد ماتوا ولكنّهم ما فتئوا يظهرون كما تظهر الأشباح والأطياف. وقد وجدت الرّواية الحديثة والأفلام السّينمائيّة في هذه المعتقدات الشّعبيّة ضالّتها فألّفت روايات وأخرجت أفلاماً كثيرة كان أبطالها من مصّاصي الدّماء والموتى الأحياء zombies.

العائدون في السرد

بيد أنّ ما يعنينا من أصناف الموتى الأحياء هو إمكان عودتهم إلى الحياة. فهم أيضاً من صنف الكائنات الّتي تعود إلى الحياة. فهم العائدون، أو العائدون من موتهم. والاعتقاد في وجود هؤلاء العائدين قد كان منتشراً في كلّ الثّقافات وفي كلّ الأزمنة. فالهامّة والصّدى في الثّقافة العربيّة القديمة مثال قديم من العائد بعد موته. ولهذا الاعتقاد تاريخ طويل قد كُتبت بعض فصوله. فقد اعتنى جون كلود شميت في كتابه «العائدون» بالأحياء والموتى في العصر الوسيط. وبيّن أنّ عقيدة العائدين قد امتدّت طيلة قرون مديدة من العصور القديمة المتأخّرة إلى فجر النّهضة الأوروبيّة حيث تعاقبت العقائد والطّقوس الوثنيّة واختلطت بالمسيحيّة حتّى ذابت فيها على نحو بطيء. ولكنّها ظلّت في مفهوم «ذاكرة الموتى» حيّة في الشّعائر الدّينيّة والدّموع والصّلوات. وترمي هذه الذّاكرة إلى تيسير انفصال الأحياء عن الفقيد وترتيب مراسم نسيانه الاجتماعيّ. ويبدو أنّ هؤلاء العائدين في القرون الوسطى قد جعلوا عمل هذه الذّاكرة المسيحيّة المنظّم بالطّقوس، أي «ذاكرة الموتى»، فاشلاً وذلك بتعطيل عمل الحداد ومنعه. وسواء أكان هؤلاء العائدون يبعثون الرّهبة أم الهلع فإنّ ظهورهم كان دائماً فرديّاً. فلا ينجمون من قبورهم زرافات أو جماعات كما اعتدنا أن نراهم في أفلام الرّعب، وإنّما يظهرون في وعي أقاربهم وعائلاتهم في مناماتهم ورؤاهم على نحو مؤلم أو بدافع شعور فظيع بالإثم. فلا وجود للعائدين إلاّ في القصص الّتي تروي حكايات ظهور الموتى حيث يختلط الرّوحيّ بالجسديّ، والفرديّ بالجماعيّ، والشّخص بقرابته، واللّيل بالنّهار، والعجائبيّ بالنّظام الاجتماعيّ. فأرشيف العائدين المتكوّن من حكاياتهم ورواياتهم ولوحاتهم وأفلامهم يؤسّس للمؤرّخ والأنثروبولوجيّ والمحلّل النّفسي، قطاعاً جديداً يسمّيه شميت «علم الأحلام». وليست الأحلام في النّهاية سوى قصص تعود فيها «الأشباح» و«الأطياف» و«العائدون» من موتهم، في هيئة أخرى في شكل سرديّ ماليخوليّ، هذا إذا سلّمنا بأنّ فنّ القصّ هو في جوهره ممارسة ماليخوليّة. فهؤلاء العائدون بجميع أصنافهم لا يمكنهم أن يعودوا إلاّ بفضل خيالنا الخلاّق، إذ لا وجود للعائدين في الواقع إلاّ بفضل خيال الأحياء. بل لا يمكنهم أن يعودوا إلاّ إذا تعرّفنا إليهم. وهذه العودة بالتّعرّف إليهم غير ممكنة إلاّ بالقصّ. ومن أشهر العائدين في شكل سرديّ، شبح الملك والد الأمير هاملت. وقد ورد ذكر خبر ظهوره أمام هاملت في المشهد الثّاني من مسرحيّة، وليم شكسبير، «هاملت، أمير الدّنمارك»، (عرّبها وقدّم لها جبرا إبراهيم جبرا، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الطّبعة الخامسة، 1979، ص.ص 44-45)، بيد أنّ الأطياف والأشباح حتّى إن توهّمنا أنّنا نراها تظلّ غير مرئيّة لا يبلغها البصر، لأنّها ترانا ولا نراها ولا نبادلها النّظر. فأن لا نرى ذاك الّذي ينظر إلينا إنّما هو التّعريف المختصر الّذي يقترحه جاك دريدا لتعريف «الشّبح». فالشّبح هو ذاك الّذي يرانا ولا نراه على نحو يجعل من لقاء نظرته بنظرتنا أمراً مستحيلاً. وقد أطلق جاك دريدا (في كتابه «أشباح ماركس») على هذا اللّقاء المستحيل عبارة Effet de visière. وقد استوحى هذه الاستعارة من قراءته لمشهد ظهور شبح الأب في مسرحيّة «هاملت» لشكسبير. والمقصود من عبارة Effet de visière الجزء المتحرّك الأماميّ من خوذة الفارس الّذي كان في القرون الوسطى يُجهّز بعُدّة حديديّة ثقيلة. ويتحقّق التّأثير الّذي يتحدّث عنه دريدا حين يضع الفارس الخوذة على رأسه ويحكم إغلاق كوّتها أو فتحتها المتحرّكة على وجهه، فينقطع بذلك الإغلاق كلّ تبادل نظر ممكن، ويتأسّس بذلك الانقطاع ضرب من الشّبحيّة spectralité لا نرى فيها نظرة الفارس الّذي ينظر إلينا. وبذلك تستحيل النّظرة وينقطع كلّ تبادل نظر، وتتعطّل أيضا كلّ مرآويّة spécularité تعطّلاً يتولّد منه هذا التّأثير الّذي وُسم بعبارة Effet de visière، أو تأثير كوّة الخوذة إن صحّت التّرجمة. والمقصود من هذه الاستعارة الموضع اللاّمرئي الّذي ينبع منه القانون، ويتكلّم منه ذاك الّذي يأمر، ويصدر أوامره.

الدين والخلود ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف