• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  02:36     وزارة الدفاع الروسية تعلن تحطم طائرة سوخوي-33 خلال هبوطها على حاملة طائرات في البحر المتوسط     

هنالك أوجه شبه عديدة بينهما

سايجون وبغداد.. هل يتكرر السيناريو؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 05 يوليو 2014

بيتر أرنيت

صحفي حاصل على جائزة بوليتزر عن تغطيته لحرب فيتنام

أيقظني صوت انفجار القنابل والصواريخ في ساعة مبكرة من يوم ثلاثاء ضبابي في سايجون الفيتنامية. وصعدت إلى سطح الفندق الذي كنت أقيم فيه وشاهدت النار والدخان والركام يرتفع ويتساقط في مطار المدينة الشهير الذي كان ذات يوم واحداً من أكثر مطارات العالم نشاطاً ولكنه أغلق حينها وتكدس فيه آلاف الأشخاص الذين يتزاحمون من أجل الرحيل. ومع حلول الفجر اندفع الناس إلى أسطح المباني القريبة وهم يحملقون في الهجوم المفاجئ الوحشي من المدفعية التي تحاصر المدينة. وارتفعت طائرتا نقل عسكري عتيقتان في السماء وحاولتا الإفلات من صواريخ أرض- جو. ولكن كما لو كانتا من أطباق الفخار التي تلقى في الهواء ليقتنصها المشارك في مسابقات الصيد، انفجرتا وتحولتا إلى دخان ونيران وسقطتا قطعاً على المنازل في الأسفل. وخلال 24 ساعة، أمسكت الفوضى بتلابيب المدينة مع تولي نظام جديد مقاليد الأمور. وقد حدث كل هذا في أبريل عام 1975. وربما يكون هذا هو المصير الذي قد تنتهي إليه بغداد أيضاً إذا استمر تقدم مسلحي تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف باسم (داعش). فقد استولى بالفعل على كثير من شمال العراق تماماً كما فعلت الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام «الفيت كونج» وواصلت تقدمها جنوباً. وإذا وصلت «داعش» إلى المدينة فما قد رأيته من خراب في سايجون قبل نحو أربعين عاماً قد يكون صورة جيدة لما هو متوقع في الحالة العراقية.

وفي فيتنام في ذلك الوقت كنت وسط عدد من الصحفيين نشاهد نهاية بلد كان ذات يوم ضرورياً لأمن الولايات المتحدة. وتعهد خمسة رؤساء أميركيين بمليارات الدولارات من الموارد وضحوا بآلاف الأرواح من الجنود في الصراع مع الشمال الشيوعي. ولم يكن من المتوقع أن تسقط المدينة. وفي الأيام الأخيرة في فيتنام الجنوبية تناثرت الدبابات وسيارات الجيب الأميركية على الطرق السريعة والشواطئ في الوقت الذي فر فيه جنود فيتنام الجنوبية من المعارك على أقدامهم. وغادر بعض الضباط مقر قياداتهم في طائرات هليكوبتر إلى السفن البحرية الأميركية التي تقف قبالة الشواطئ مباشرة. وفي العراق، هناك جيش آخر دربته الولايات المتحدة قبل أن يستولي تنظيم «داعش» على مدينة بعد أخرى في شمال وغرب العراق. وتركت هذه القوات العراقية التي حصلت على تدريب أميركي خلفها أيضاً سيارات أميركية وأسلحة بل وترك الجنود زيهم العسكري.

وهناك اختلاف بين جنوب فيتنام والعراق بالطبع. فقد استخدمت واشنطن قوتها العسكرية للحفاظ على بلد مقسم بشكل مصطنع في فيتنام، واستخدمت نفس القوة لتحافظ على بلد موحد بشكل صعب في العراق. ولكن في سايجون عام 1975 وفي بغداد عام 2014 هناك نقطة التقاء في الهشاشة التي تولدت من الاعتماد على القوة الأميركية. وفي كل منهما تصدعت القوة مثل بيضة فارغة أمام أول اختبار حقيقي. وفي مارس عام 1975، كان سقوط مدينتي «هوي» و«دانانج» مؤشراً على هزيمة عسكرية ستؤدي إلى سقوط العاصمة سايجون بعد ذلك بستة أسابيع فقظ. وقاد سقوط الموصل وتكريت «داعش» إلى أبواب العاصمة تقريباً مما أدى إلى تفاقم التوترات العرقية في المدينة وهدد مستقبل بغداد.

وقد استنجد زعماء البلدين بالقوة الجوية الأميركية ولكن دون جدوى. ففي مارس 1975، أرسل رئيس فيتنام الجنوبية «نجوين فان تيو» قائمة مفصلة للبيت الأبيض بأهداف القصف، وأشار إلى اتفاقات سرية للرئيس السابق ريتشارد نيكسون تكفل تقديم مساعدة عسكرية أميركية. ولكن الرئيس جيرالد فورد رفض هذا. وبالمثل بدأ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مناشدات علنية وسرية يطالب فيها بالحصول على دعم القوة الجوية الأميركية بعد سقوط الموصل وتكريت. ولكن الرئيس أوباما طالب بإصلاحات سياسية محورية في بغداد في المقابل. ويشبه تلكؤ المالكي في العمل مع خصومة السياسيين، رفض الرئيس الفيتنامي «تيو» توسيع حكومته أو التفكير في أي استيعاب لخصومه السياسيين. وقد تنحى «تيو» في نهاية المطاف بناء على طلب من الولايات المتحدة وهرب من البلاد قبل سقوطها بعشرة أيام. وقد يترك أوباما حليفاً أميركياً آخر لمصيره أيضاً.

وربما يعكس موقف واشنطن اليوم تجاه العراق موقفها في الأيام الأخيرة في سايجون. فبحلول عام 1975 عارض الكونجرس والجمهور الأميركي بقوة أي دعم مالي أو عسكري لفيتنام الجنوبية. وأوضح «فورد» أن خطة العمل العسكرية الأميركية في الأيام الأخيرة لن تستخدم إلا لإنقاذ حياة الجنود الأميركيين. وغالبية الجمهور الأميركي الآن تعارض بالمثل التورط في العراق أيضاً. وقد أرسل أوباما في الآونة الأخيرة 300 فني واستشاري عسكري إلى بغداد ولكنه لم يقدم إلا القليل من الدعم لمزيد من العمل في هذا المضمار. وفي كلا البلدين تصطدم طموحات الأميركيين في إعادة صياغة العالم مع عمليات التمرد المحلية عميقة الجذور.

وهناك بالطبع بعض الاختلافات الحاسمة بين فيتنام والعراق. فظهور فيتنام موحدة شيوعية في نهاية المطاف لم يهدد في واقع الحال الولايات المتحدة. وهانوي اليوم أكثر قلقاً بكثير من التوسع الصيني من قلقها تجاه الإمبريالية الأميركية التي دعتها إلى العودة إلى قاعدتها العسكرية البحرية في خليج «كام رانه». وعلى النقيض من هذا، في العراق، هناك السنة والشيعة والأكراد، وفي كل طائفة من يريد بلداً مستقلاً ولم يعد يريد العيش داخل نطاق الحدود العتيقة التي رسمها الدبلوماسيون الأوروبيون قبل 100 عام. وربما تريد الولايات المتحدة منهم أن يبقوا متحدين من أجل الاستقرار الإقليمي ولكن القوة الأميركية قد تثبت أيضاً عجزها في توحيدهم كما عجزت من قبل عن فصل فيتنام. وهناك بعض القطاعات في المجتمع العراقي تكن توجهات عدائية للولايات المتحدة. وإذا انقسم العراق فقد يصبح مثل يوغسلافيا في تسعينيات القرن الماضي عندما استمرت حالة من الاضطرابات والتطهير العرقي الوحشي لسنوات.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا