• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

ليال شهر زادية تخبئ في ذاكرتها الحكايات و«الحكواتية» ومسرح الظل

نوستالجيا عابرة للزمان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

إبراهيم الملاّ

يمكن وصف العلاقة بين السينما والدراما التلفزيونية من جهة، وبين خصوصية شهر رمضان من جهة أخرى، بالعلاقة التبادلية النابعة في الأساس من الذاكرة الجمعية وروافدها الموصولة بالحكاية الشفاهية والمخيال الشعبي ومسرح الظل، وهي ذاكرة تتغذّى دون شك من المكونات الأصيلة للنزعة الروحانية الممتدة في الليالي الطويلة لشهر الصوم عند العرب والمسلمين، نزعة ربما تعود جذورها لفصول الرواية المبتورة التي ينتظر (شهريار) إكمالها في الليلة التالية بشغف، وبتتابع سردي سيأخذ دوما مسار التشويق والإبهار والانجذاب لتوابع القصة ونهاياتها، والتي لن تستطيع الراوية (شهرزاد) أن تقطعها بخاتمة مقفلة وأبدية، لأن مصير شهرزاد مرتبط هنا وبشكل عضوي بمصير الحكاية ذاتها، فيما يشبه إعادة إنتاج لأسطورة أورفيوس وأوريدس التي يتكرر عزفها النوستالجي على وقع التجاذبات العابرة بين الواقع والمثال، وبين اكتفاء الراوي وجشع المستمع، وأخيرا بين حدود الصورة ولا نهائية الخيال.

الحكواتي المعتزل

تستعيد ليالي شهر رمضان ما يمكن نعته بسطوة الحكواتي، القادر على تحويل تعب النهار ومكابداته الجسدية، إلى لعبة ذهنية ماتعة وهيامات وجدانية تخطف الألباب وتستولي على الأفئدة في المساءات العامرة بالتجلّي، ومن هنا ربما استثمرت الشاشة في الأزمنة الحديثة إغواءات الحكاية بشكلها الأكثر تجسّدا والأكثر اتساقا مع لغة الصورة وفضاء الحوار، من خلال مؤثرات سمعية وبصرية هيمنت على حواس المشاهد في هذا الشهر بالذات، وسحبت بساط الهيبة عن ذلك الحكواتي المعتزل الآن، والعاطل عن البوح، والمنسي في أرشيفات الزمن.

كان ظهور السينما والتلفزيون بعد ذلك، مقرونا ومرتبطا بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبمراحل التغيير التي مرّ بها العالم العربي في حقول الفن والأدب والعمارة والتعليم، بعد مخاضات أيديولوجية صعبة أفرزتها صدمة الحداثة في مقابل التراث، والمدينة في مقابل الريف، والثورة الصناعية في مقابل المفاهيم التقليدية والكلاسيكية، وقد تكون الأعمال السينمائية العربية المرتبطة بأجواء شهر رمضان قليلة وتعد على أصابع اليد، ولكنها تظل مكتنزة بالتفاصيل اليومية والطقوس الخاصة التي يفرضها هذا الشهر، وترتسم من خلالها ملامح الحبكة، ومسار الشخصيات في الفيلم، ومعالم الأمكنة، وبيئة التصوير، كالديكورات والمظاهر الدينية المكثفة والمؤثرات المصاحبة المعزّزة بالتواشيح والأدعية وضجيج الأسواق والمقاهي في المدن المكتظة، ويمكن رصد هذه الأجواء والتكوينات المشهدية والبصرية الخاصة بها، في الأعمال الروائية التي كتبها نجيب محفوظ وتحولت معظمها إلى أفلام حاضرة في ذاكرة المشاهد العربي مثل: اللص والكلاب، وخان الخليلي، وثرثرة فوق النيل، وقلب الليل، وحب فوق هضبة الهرم، وأهل القمة، وغيرها من الروايات التي اقتنصها مخرجون مصريون كبار أمثال صلاح أبوسيف، وعلي بدر خان، وكمال الشيخ، وعاطف الطيب، ويوسف شاهين، وحسين كمال، وغيرهم من المخرجين الذين تفاعلوا في هذه الأعمال الإبداعية المتوهجة مع نبض الشارع المصري خلال فترة التحولات الكبرى والصراعات التي عاشها أبطال هذه الروايات، ضمن متواليات الحب والعنف والفقر والثورة وأفول الطبقة البورجوازية وظهور طبقة المنتفعين والانتهازيين، في مقابل نخبة الإنتلجنسيا من المثقفين الحالمين وأصحاب الرؤى التغييرية، وما أفرزتها هذه المتواليات والانعطافات من ظواهر اجتماعية رصدها محفوظ بدقة في الحارة المصرية بنكهتها الشعبية الخالصة، ووثّقها في رواياته بواقعية جارحة لم تخل من هوامش رومانسية ومثالية انصهر فيها التاريخي مع المعاصر، والمختلف مع المؤتلف، في بيئات وعوالم متعددة قرب المدن الساحلية وفي قلب القاهرة وحتى في الأرياف وفي ظلال الشواهد الفرعونية والآثار الفاطمية الفائضة بعراقتها واغترابها أيضا مقارنة بالمكاشفة التسجيلية الصادمة التي عرّى من خلالها محفوظ الكثير من مظاهر البؤس والتخلف والفساد في مجتمعه الحائر والمشتت بين الدين والميثولوجيا والتيارات الفكرية والسياسية المتصارعة، ووسط كل هذه الارتحالات الوجدانية عبر الأزمنة والأمكنة، كان لشهر رمضان مذاق تعبيري خاص في أعمال محفوظ، لاعتبارات لا يمكن إغفالها حول طبيعة الشخصية المصرية، الموصولة رغم همومها اليومية بالموالد والأعياد الدينية والحضرة الصوفية والخوض في الماورائيات والروحانيات المتحققة بشكلها الواضح والجلي في ليالي الشهر الأكثر تميزا وانحيازا للغيبي والمقدّس.

كتب محفوظ معظم رواياته التي اقتبستها السينما بعد فترة تأسيسية طويلة قضاها في كتابة سيناريوهات الأفلام والتي استفاد منها في مرحلة تالية عندما كتب للتلفزيون وللمسلسلات الرمضانية تحديدا، ونذكر من هذه الأفلام التي كتبها خصيصا للسينما في الأربعينات فيلم: (المنتقم)، و(لك يوم يا ظالم)، و(ريا وسكينة)، و(شباب امرأة) مع صلاح أبو سيف، كما شارك بعد ذلك في كتابة سيناريو فيلم (جعلوني مجرما) مع عاطف سالم وفيلم (الناصر صلاح الدين) مع يوسف شاهين، وفيلم (درب المهابيل) مع المخرج توفيق صالح.

تفاصيل وذاكرات ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف