• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

رينيه غينو.. معراجإلى ملكوت النور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

عز الدين عناية*

في مؤلَّف بعنوان «المسلمون الجدد: المهتدون إلى الإسلام» صادرٌ عن منشورات لافورو الإيطالية، تناول عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي بالبحث والتحليل ظاهرة التحول الديني إلى الإسلام في الغرب المعاصر. وهي ظاهرةٌ لافتةٌ تمسّ شرائح اجتماعية متنوعة. حيث يرصد الباحث مختلف أشكال الاهتداء، من الاهتداء البراغماتي بقصد الزواج، مرورا باهتداء «البزنس»، كما يطلق عليه، بغرض تيسير الأشغال والأعمال، إلى الاهتداء الروحي المتعطش إلى اليقين، وغيره من ضروب الاهتداء.

رينيه غينو (René Guénon - ‬1886-1951م)‬، ‬الكاثوليكي ‬المنشأ‭ ‬- تلقى ‬تعميده ‬بعد ‬شهرين ‬من ‬مولده - ‬أحد ‬هؤلاء ‬الذين ‬سلكوا ‬طريق ‬الروح ‬للولوج ‬إلى ‬عالم ‬الإسلام، ‬بعد ‬مسار ‬حافل ‬بالتجوال ‬بين ‬مختلف ‬أنواع ‬التقاليد ‬الروحية ‬الكونية، ‬المسيحية ‬والهندوسية ‬والطاوية ‬والبوذية ‬وغيرها، ‬إلى ‬أن ‬انتهى ‬به ‬المطاف ‬عند ‬التقليد ‬الروحي ‬الإسلامي ‬الذي ‬وجد ‬فيه ‬ضالته. ‬وطريق ‬الروح ‬طريق ‬وعرٌ ‬مليءٌ ‬بالبروق ‬الخادعة، ‬كما ‬وصف ‬تشعّباتها ‬أبو ‬حامد ‬الغزالي ‬في «‬المنقذ»‬: ‬إن ‬اختلاف ‬الخلق ‬في ‬الأديان ‬والملل، ‬ثم ‬اختلاف ‬الأئمّة ‬في ‬المذاهب ‬على ‬كثرة ‬الفرق ‬وتباين ‬الطّرق، ‬بحرٌ ‬عميقٌ ‬غرق ‬فيه ‬الكثيرون، ‬وما ‬نجا ‬منه ‬إلاّ ‬الأقلّون.

أزمة المعنى في الغرب

منذ عهد الصبا بدأ غينو في التردد على الجمعيات الباطنية والأخويات الروحية، تحت دفْعِ قلق عميق يسكنه، حتى تسنّى له تأسيس كنيسة غنوصية بالمعنى الروحي والفكري، أطلق عليها رفقة صحبه «الكنيسة الغنوصية»، وقد زاد ولعه بعالم الروحانيات والأسرار مع توالي السنين. فكان انضمامه، في مرحلة أولى، إلى تجمعات غنوصية وماسونية متنوعة ذات منزع باطني، حتى بات أحد أقطابها في فرنسا. مرّ أثناءه بترقٍّ وتدرّجٍ في هذه التنظيمات، من مريد متحمّس إلى «غورو» منظّر، ومن مراجِعٍ إلى منتقِدٍ فمتمرّدٍ على الماسونية وما شابهها من تنظيمات الأسرار. خالصا إلى الإقرار بما انحدرت إليه وكالات المقدّس من تدهور فعلي وعملي، من مذهب للبناء الحر إلى انغلاق داخل سجن الأسرار.

يقول في كتاب «الغنوص»: «يتعذّر الجمع بين مذاهب متباينة وحشر الجميع تحت مسمّى واحد ألا وهو الروحانية، وسائر هذه العناصر لا يمكن أن تشكّل عمارة متناسقة ثابتة. والخطأ في مجمل تلك المذاهب الروحية المزعومة أنها ليست سوى هياكل مادية معروضة في قالب راقٍ». إذ حصلت لديه قناعة أن التجمعات الباطنية لا تحوي أية تعاليم، لما تدفع إليه أعضاءها نحو أشكال زائفة من الروحانية، غير متناسقة، وتفتقر إلى الأسس.

ولكن غينو يبقى وليد عصره المشوب باللايقين، فقد شبّ في زمن شهدت فيه المرجعية الدينية المسيحية تراجعاً وانكماشاً. دبّت النسبية في الاعتقادات، مع اعتداد بالعقل وهيام بالعقلانية، مصحوبيْن برؤية وضعية للكون والعالم. مع ذلك لم يجد المنزع الوضعي هوى لديه، وهو ما كان يمثّلُ موضة حينها، وقد بلغ مداه في وجودية شريدة. فقد كانت أزمة الغرب بالنسبة إليه هي أزمة روح قبل أن تكون أزمة عقل. صحيح أن الغرب قد أضحى معتدّا بعقلانيته ووضعيته، ولكنه في الآن بات خاوي الروح كئيباً. إذ ثمة تحررٌ للإنسانية على مستوى العقل رافقه إنهاك لروح الفرد. لكن في خضمّ هذا البحث عن روح العالم وجوهره مع رينيه غينو، ما كان الانفتاح على التراث الروحي العالمي قطيعةً مع الإرث الكاثوليكي، بل إدراكا لضمور المعنى داخل هذا التراث، وما كان رفضًا للمسيحية بل إيمانا منه بأن الرأسمال الروحي يتوزع بالتساوي بين أديان شتى. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف