• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

لا عدالة كاملة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 يوليو 2014

بدر الدين الإدريسي

يشعرني كأس العالم بأن العدالة التي يقول المفكرون والفلاسفة وعلماء السياسة إنها موجودة في كرة القدم بالقدر الذي لا توجد في أي فعل إنساني آخر، عدالة نسبية أو لنقل إنها عدالة موجهة تبيح أحياناً باسم القانون الموضوع بعناية لحماية المصالح بارتكاب المحظورات، بالتدخل لكبح جماح ومصادرة أحلام الصغار، خصوصاً أنهم تجاوزوا السقف أو علوا عنه قليلاً.

لا أرى مطلقا أي عدالة ولا حتى نزاهة فكرية تريح الضمائر في ما أنجزه بعض الحكام بمونديال البرازيل بتوجيه ممغنط أو بتحكم عن بعد أو حتى بشعور مكتسب لترجيح كفة من ينعتون تجاوزاً بالكبار، خاصة عند إدارتهم لمباريات الدور ثمن النهائي، فلن يقنعني أحد أن المنتخبات المقيد لها الوصول لأبعد نقطة حماية للمنتوج وللفرجة وللمصالح التجارية التي يدافع عنها المونديال بشراهة، ما بلغت الدور ربع النهائي، إلا لأنها تمتعت بقدرة ليست مكتسبة، ولكن موهوبة وممنوحة من الحكام لصنع الفارق الصغير من جزئيات صغيرة.

بالقطع لا أتحدث عن أهداف محتسبة للمنتخبات المحمية وهي غير ذلك، ولا أتحدث عن أهداف لم تحتسب وهي صحيحة للمنتخبات المغلوبة على أمرها، ولكن أتحدث عن تلك الجزئيات الصغيرة التي تحسم مباريات مشنوقة لا ترجح فيها كفة الكبار بشكل علمي وديمقراطي، جزئيات لا تحسم في العادة، إلا عند التمتع بظروف التخفيف من قضاة الملاعب، أي عندما يكون بمقدورك أن تفعل ما لا يستطيع خصمك أن يفعله، ما يغمض الحكام أعينهم عليه هنا ولا يغمضونها عليه هناك، كل الأخطاء التي ترتكب ويعاقب عليها منتخب مغلوب على أمره بغلظة وبقساوة، وأيضاً بتطبيق استفزازي للقانون، ولا يعاقب عليها لاعبو المنتخب المحظوظ لوجود ما يقول الحكام إنها سلطة تقديرية تعطيهم حق التمييز بين الإيذاء المقصود والإيذاء العفوي.

لن يقنعني أحد بأن منتخب ألمانيا لم ينل تحكيماً تفضيلياً عند ملاقاته لمنتخب الجزائر، شيء يمكن أن نتبينه من درجة الانفعال والتوجس، التي كان عليها المدرب البوسني وحيد خليلودزيتش، وهو يرقب بكثير من الألم العجز، كيف كان يوجه الحكم المباراة لتضيق الهوامش والمساحات أمام «محاربي الصحراء»، وأقدر كل التقدير الانزعاج الذي كان عليه المدرب النيجيري ستيفان كيشي، وهو يتوصل بمرارة إلى ما كان يفعله حكم مباراته أمام فرنسا بالجزئيات الصغيرة لكي تخدم المنتخب الفرنسي، وتخرجه من الزنزانة التي أدخل إليها، وأظن حكم مباراة البرازيل والتشيلي برغم اشتهاره بالحزم لم يعدم وسيلة لكي يهب منتخب «السامبا» أجنحة يحلق بها إلى ربع النهائي، فمن حسن حظ التشيليين أو من دهاء وحنكة لاعبيهم أنهم لم يرتكبوا أي خطأ موجب لاحتساب ركلة الجزاء.

مؤسف أن تكون العدالة مع الصغار هي غيرها عند الكبار، ومحزن مع كل هذا الذي تظهره «الفيفا» من رغبة لتحجيم الأخطاء المرتكبة من الحكام، والتي تعكس الأدوار وتتجنى على منتخبات وفرق دون الأخرى، أن يأتي كأس العالم في المباريات التي أجريت حتى الآن، بكل هذه الأخطاء التي شاهدناها وغيرت نسبياً مجرى الأحداث، أخطاء قال «الفيفا» إنها بهدف تحجيمها اعتمدت نظاماً صارماً في ملاحقة ومراقبة وتأهيل الحكام على مدى ثلاث سنوات قبل اختيار الأفضل منهم لإدارة المباريات.

في القانون الجنائي لا توجد جريمة كاملة، وفي كرة القدم لن تقنعني «الفيفا» بأن هناك عدالة كاملة.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا