• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

عندما كان رمضان هنا!

شهر السَّرد..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

عبد العزيز المسلّم

* يبشر به الهلال ويعلن دخوله مدفع وتمتلئ لياليه بالحكايا والروايات * تهاني وتبريكات واستغفار وصلة رحم وأمل في الظفر بليلة القدر * رمضان زمان كان يتميز بالبساطة وعدم التكلف خلافاً لما نراه اليوم * كان رمضان شهر عبادة وروحانية أكثر منه شهر تسلية ولهواً! * يسمح فيه للأطفال بالخروج من البيت واللعب بعد صلاة المغرب أشهر ألعاب رمضان التي كان يلعبها الأطفال هي: لعبة عُظَيم لوّاح، المدفع، عمبر، يوريد، الهول، لمسلسل وغيرها كثير. * «بوطبيله» أو المسحراتي «لم يعيّنه أحد وإنما نذر نفسه لتنبيه الناس في موعد السحور ------- عبد العزيز المسلم --------------- رمضان شهر الطاعة والمغفرة والكلم الطيب، شهر النفحات الإيمانية الطيبة، شهر الأنس والطمأنينة والصحة، شهر الخير كل الخير، شهر الدعاء والاستغفار شهر قيام الليل والقنوت، فيه أنزل القرآن، وفيه ليلة خير من ألف شهر هي ليلة القدر، هو شهر لا يضاهيه شهر آخر عند المسلمين. ---- تبدأ تباشير رمضان في الإمارات في شهر رجب، فمتى ما دخل رجب بدأت الناس تذكر بعضها البعض بالاستعداد لرمضان، مثل قضاء الأيام التي لم يصمها البعض، وصلة الرحم وبالإكثار من الاستغفار والتوبة. ثم في شهر شعبان المبارك تزيد الروحانيات والتقرب الى الله، وفي نصفه أي في اليوم الرابع عشر والخامس عشر والذي يسمى (النص) يصوم الناس ويكثرون من الاستغفار ويكثرون من الصدقات، كما أن للأطفال فرحة في يوم الرابع عشر باحتفال شعبي يسمى (من حق الله) وعند البعض يسمى (من حق الليلة) وهو احتفال شعبي يلبس فيه الأطفال ثياب فرح ويعلقون في أعناقهم حقائب قماشية تسمى (خرايط) مفردها (خريطة) ويطوفون بها على بيوت الجيران فيعطيهم الناس الحلويات والمكسرات وبعض العملات المعدنية. في التاسع والعشرون من شعبان تبدأ عملية تحري هلال رمضان، فإما أن يظهر أو أن يتم الناس شهر شعبان، لكن ما أن تتم رؤية الهلال تطلق الأعيرة النارية ومن ثم يتم اطلاق المدفع كإعلان رسمي عن دخول شهر رمضان المبارك. مع بداية شهر رمضان المبارك تنطلق عبارات التهنئة والتبريكات، وهي عبارات متنوعة منها (مبارك عليكم الشهر، الله يعوده علينا وعليكم بالخير والعافية وطولة العمر، كل سنة وكل حول سالمين غانمين لا فاقدين ولا مفقودين) هذه بعض العبارات التي يتداولها أهل الإمارات في شهر رمضان الفضيل. أما ليلة القدر فهي الليلة التي تكون حديث الناس وشغلهم الشاغل منذ شهر شعبان وحتى نهاية رمضان، فالكل يستعد للظفر برؤيتها والفوز ببركاتها. عن ليلة القدر في الذاكرة الشعبية مئات القصص والحكايات التي تصور شكل هذه الليلة، والكرامات التي ينالها من الفائزون برؤيتها، كتلك التي فازت بطول العمر، وذاك الذي حاز بركة شفاء الناس، وذاك الذي رزق المال الوفير وغيرهم الكثير. إلاّ أن السمة البارزة لشهر رمضان في الإمارات قديما، كانت تميل إلى البساطة أكثر والى عدم التكلف، خلافا لما نراه اليوم من مظاهر البهرجة والزخرف واللهو، ففي الماضي كان رمضان، شهر عبادة وروحانية، أكثر منه شهر تسلية ولهو! فرح الأطفال رمضان الأمس، كان يتصف بصفات مميزة، من بدايته إلى نهايته، فبشراه رؤية الهلال وطلقات المدافع والأعيرة النارية، تليها خلوات العبادة وصلوات قيام الليل وقراءة القرآن الكريم ومحاولات ختمه مرارا وتكرارا، ومسيرات الفرح مع ألعاب الأطفال الشعبية، فللأطفال أجواؤهم الخاصة في رمضان، فهو الشهر الوحيد من أشهر السنة الذي يسمح لهم فيه بالخروج من البيت واللعب بعد صلاة المغرب، فالشياطين مكبلة والكل في سكينة ودعة، ولرمضان ألعابه الكثيرة، لكن أهمها: * لعبة عُظَيم لوّاح: أو كما تسمى عند البعض (اعظيم سرا) هي لعبة حركية جميلة، تعتمد على عظم يابس لشاة أو عجل، ومسمى اللعبة تصغير لكلمة عظم فقيل عظيم، ينقسم اللاعبون إلى فريقين ثم يرمى العظم الى البعيد في الظلام ويزعق الرامي (اعظيم سرا... حد درا... وحد ما درا) ويتقافز الأطفال باحثين عن العظم، ومن يجده يرميه إلى زميله في نفس الفريق محاولين إبعاده عن الفريق الخصم وهكذا. * لعبة المدفع: مستلهمة من مدفع رمضان، حيث يقوم الأطفال بتصنيع المدفع بأيديهم بدءا من صنع العربة الخشبية ذات العجلات، ثم يصنعون فوهة المدفع وهي عبارة عن ماسورة مياه يثقبونها من الثلث الأخير لوضع الفتيل ويدهنونها بألوان حسب رغباتهم. ومنهم من يبحث عن مفتاح قديم ذي فتحة أمامية، يملؤها بالبارود ويضع فيها مسمارا ويضربه في الجدار أو بحجر فيحدث دوي كأنه مدفع. * لعبة عمبر: تلفظ أحيانا (عنبر) تعتمد على كرة صغيرة ككرة التنس الأرضي وعلب صغير بحجم قبضة اليد فارغة عددها ست علب وقد تزيد أو تنقص، ترص العلب فوق بعضها البعض بعد أن انقسم اللاعبون إلى فريقين وبالقرعة (عملة معدنية) يحاول أحد أعضاء الفريق المختار أن يوقع العلب من مسافة بعيدة بالكرة، فإذا وقعت زعق بأعلى صوته (عمبر) فيهرب الفريق الآخر ويلحق هو وفريقه بالآخرين عن طريق رمي الكرة من لاعب لآخر، فإذا ظفروا بلاعب خصم ضربوه بالكره وقالوا مات أي (خسر) والآخرون من الفريق الخصم يحاولون صف العلب فوق بعضها البعض فإذا أتموا ذلك فازوا وإذا (ماتوا) جميعا أعيدت لهم اللعبة من البداية حتى يتصايحوا من الألم والإجهاد. * لعبة يوريد: بطريقة الاقتراع بالعد يقع الاختيار على أحد الأولاد ليكون الصيّاد الذي يقف في مكان يسمى (الهول) - وهو عبارة عن دائرة مرسومة في الرمل - ويهرب البقية، فيصيح هو بهم «يوريد» ويردون عليه «بعدنا» ويكررها الى أن يردوا عليه برد آخر هو «الحقنا» فينطلق وراءهم، والذي يمسك به يحل محله وتعاد الكرّة مرة أخرى بالصياد الجديد، أما الذي يفلت فانه يقفز في دائرة الرمل ويزعق «يوووووريد» وقد تسمى هذه اللعبة عند البعض (صايح). * لعبة الهول: تحتاج هذه اللعبة الى فريقين يلعبان في موقع معين تحده حواجز من الطرفين كالجدران مثلا ويلزم كل فريق جانبا ويتنافس كل فريق في اختراق الفريق الآخر ولمس حائطه فإذا لمسه صاح بأعلى صوته «هووووول» وكأنه يعني بقوله «هدف» وهكذا كل فريق يذب عن حماه. * لعبة لمسلسل: اشتقت هذه التسمية من السلسلة وهي تعني المقيّد وهم يقومون بتقييد أحد اللاعبين بحبل أو «غترة» قديمة أو قد يترك من دون تقييد، ويتحلـّق حوله اللاعبون متراصين كأنهم بنيان مرصوص ليشكلوا حدودا منيعة فيحاول هو اختراق هذه الحدود للخروج من الدائرة فيصد بكل قوة من الأولاد وهم يهتفون بنظم انشادي جميل: حدّوه لمسلسل حدّوه في حلجه بيضه حدّوه بيضة قطّاعي حدّوه والكيس خالي حدّوه الحديث عن الألعاب الشعبية يطول لكنني سأكتفي بذلك القدر، وقد كنت أتحدث دائما بصيغة المذكر ولكنني أقر وأعترف بأن هذه الألعاب ورغم ما فيها من قساوة وعنف الا أنه شاركنا في لعبها أيامنا وأيام من يكبروننا في العمر فتيات كثيرات كن يقهرننا أحيانا ويظفرن بالفوز، لذا فهي ألعاب شعبية رمضانية مشتركة وليست ألعاب أولاد فقط. عادات المظهر الثاني المميز لرمضان هو (بوطبيله) أو كما يحلو للبعض أن يسميه (المسحر) وهو المسمّى في بعض البلدان العربية المسحراتي، وهو رجل لم يعينه أحد ولم توظفه الحكومة ولكنه نذر نفسه لتنبيه الناس بموعد السحور فيمر على البيوت راكبا حماره حاملا طبلا صغيرا يطرقه خمس طرقات وهو يردد: يانايم الليل قم اتسحّر يانايم الليل قم اتسحّر أو يقول قم يا نايم قم قومك أخير من نومك هكذا يظل بوطبيله طيلة شهر رمضان يطوف على البيوت دون أجر أو ثناء بل قد يوبخ أحيانا أو يكون عرضة للتهكم والسخرية، ولكنه يصمد، وليلة العيد يطوف على البيوت ليتلقى مكافئة عمله ولكن الناس تستقبله هذه المرة بالترحاب وتتبادل معه التهاني وتغدق عليه بالعطايا والهدايا ومن عطاياهم تكون زكاة فطرهم. الأطعمة في رمضان: افطار الناس كان بسيطا خفيفا وكذلك سحورهم فهم يتناولون التمر واللبن أو التمر والماء ثم يذهب الرجال الى المساجد وكل واحد منهم حامل طبق أو مجموعة أطباق وبعد انقضاء الصلاة يجتمع الجميع في رواق المسجد الخارجي صغارا وكبارا ليتناولوا شيئا قليلا من المائدة العامرة ويدعون كل من يمر بهم أي كانت جنسيته ليشاركهم مائدة الخير والبركة. أما النساء فبعد أن يصلين في البيت يتناولن شيئا مما أعددنه ولا يكثرن ثم يتأهبن لاستقبال الزوج أحسن استقبال !! يعود الزوج الى البيت فيتناول شيء من الشاي والقهوة ثم يستعد الجميع لصلاة العشاء وصلاة التراويح، وبعد سماع الأذان يذهب جميع أفراد الأسرة من الجنسين الى المسجد ويصلون العشاء والتراويح ويعودون بعدها لتعد النساء طعام العشاء وهي عادة اماراتية شهيرة فيتناول الجميع طعام العشاء وبعض الأطباق الحلوة مثل (الساقو والفرني) عرروت «والخبيص والعصيد واللقيمات والخنفروش والفندال». أما السحور فيقتصر على التمر أو الرطب واللبن والكامي والماء والبعض قد يأكل عيش «أرز» مع لبن او ماء. ان ما تختزنه الذاكرة الشعبية في الإمارات عن رمضان وجمال رمضان وحلاوة أيامه ولياليه الشيء الكثير، ففيه تنشط عمليات سرد الحكايات الشعبية و الخرافية وهي بالمئات ان لم تكن بالآلاف، وهناك من يقرأ كتب أيام العرب وحكايات الهلالية وعنتر وعبله وسيف بن ذي يزن والف ليلة وليلة وغيرها، وتروج تلك الحكايات بين الناس أيما رواج، كما أن رمضان باب للحكمة، فالحكم والأمثال والأقوال المأثورة تكون في ذروة تداولها، خصوصا تلك المتعلقة بالأخلاق و التواصل والتراحم وحفظ النعم وبر الوالدين وصلة القربى. «بوطبيلة».. لم يعيّنه أحد أشهر ألعاب رمضان التي كان يلعبها الأطفال هي: لعبة عُظَيم لوّاح، المدفع، عمبر، يوريد، الهول، لمسلسل وغيرها كثير. أما «بوطبيله» أو المسحراتي» فلم يعيّنه أحد، وإنما نذر نفسه لتنبيه الناس في موعد السحور.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف