• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

ما وراء الطقوس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

هاشم صالح

هل نعلم ماذا يعني أن تصوم عن الطعام والشراب طيلة النهار: أي طيلة أكثر من عشر ساعات في الصيف؟ عندما تقول ذلك للفرنسيين أو للأجانب بشكل عام لا يكادون يصدقون. إنهم يعتبرونه تعذيباً هائلاً للذات: أي تعذيب يتجاوز الطاقة البشرية ولا يجدون له أي مبرر. فالصوم بالنسبة للمسيحيين، مثلاً، شيء مضحك تقريبا أو يكاد يعتبر مزحة بسيطة قياساً إلى صومنا نحن. فعلى عكس ما نتوهم فان الصيام بالنسبة لهم لا يعني الانقطاع عن الطعام والشراب كليا بشكل قاطع. هذا شيء لا يخطر على بالهم على الإطلاق. الصيام بالنسبة لهم يعني فقط الامتناع عن أكل اللحم الأحمر مثلاً أو عن الحلويات الشهية أو قد يمتنعون عن أكل السمك إبان الصوم الكبير ولكن ليس الصوم الصغير. المهم في الموضوع أن الصيام بالنسبة لهم يعني الامتناع عن الوجبات الثقيلة، الشهية، اللذيذة، وليس عن الطعام ككل. فقط يكتفون بوجبات خفيفة أو مخففة إلى أقصى الحدود. وعموما فإن المتدينين جداً منهم يكتفون بالخبز والملح كما يقال إضافة إلى الماء. أما الصيام الإسلامي فهو قاطع مانع: لا أكل ولا شرب ولا قطرة ماء حتى ولو في عز الصيف!

لماذا أقول هذا الكلام؟ ليس حبا في المناكفة والمشاجرة على طريقة خالف تعرف. وليس لأني علماني، ملحد، كافر، كما قد يزعم الأصوليون التقليديون. أقول ذلك على الرغم من أن العلمانية ليست الإلحاد على الإطلاق كما يتوهم العالم العربي. فالدولة العلمانية تؤمّن لك حرية التدين أو عدم التدين في حين أن الدولة الإلحادية الستالينية أغلقت الكنائس ومنعت الناس بالقوة من ممارسة طقوسهم وشعائرهم. ولذلك عادوا إليها بجوع وتعطش بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وهذا شيء مفهوم: فكل ممنوع مرغوب. ولكن هذا الحكم الاستبدادي التوتاليتاري لا يخطر على بال الدولة العلمانية أن تمارسه على الإطلاق. انظروا إلى فرنسا حيث يمارس الجميع طقوسهم وشعائرهم في وضح النهار: من مسيحيين، ومسلمين، ويهود وبوذيين، إلخ. ولا أحد يزعج أحداً ولا أحد يحتقر أحداً لأنه يختلف عنه في الدين أو المذهب.. يضاف إلى ذلك أني لست ملحداً على المستوى الشخصي وإنما مؤمن بالله إيماناً راسخاً لا يتزعزع. كما أني مؤمن بالقيم الأخلاقية والتنزيهية العليا للتراث العربي الإسلامي الكبير، وعليه نشأت وترعرعت، ولا أقول ذلك خوفاً من أحد ولا منافقة لأحد. وإنما هذه هي الحقيقة. وهو إيمان دفعت ثمنه دماً ودموعاً كما يُقال. ولكن هذا الإيمان لا يعني أني مؤمن بضرورة الالتزام بالطقوس والشعائر بحذافيرها. إنه إيمان العلماء والفلاسفة لا إيمان عامة الشعب وبقية رجال الدين. فهم يحصرون الإيمان بأداء الطقوس والشعائر. بل يعتقدون أن كل من لا يؤديها ليس مسلماً ولا مؤمناً على الإطلاق، وهذا خطأ فادح.

إيمان طقوسي وإيمان فلسفي

نحن أمام نوعين من الإيمان هنا: إيمان ضيق محصور بأداء الشعائر والطقوس، وإيمان فلسفي واسع سعة الكون. الإيمان الأول يكفر كل الأديان والمذاهب الأخرى. والإيمان الثاني لا يكفر أحداً، وإنما يدعو إلى التسامح والمغفرة مع جميع الناس الصادقين الطيبين. للبرهنة على فكرتي هنا أود إقامة نوع من المقارنة الجريئة وربما المتهورة بين أديب عربي كبير عاش في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، ومفكري الفلسفة المثالية الألمانية الذين ظهروا في القرن الثامن عشر: أي بعده بثمانية قرون. هذا الأديب هو أبوحيان التوحيدي الذي ألف كتابا لم يصلنا بعنوان: «الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي». قد نتحسر إلى نهاية الزمن لأن هذا الكتاب ضاع على الطريق ولم تصلنا عنه أي مخطوطة. والأرجح أن الفقهاء الذين كفروا صاحبه عملوا المستحيل لكي لا يصل. ومعلوم أن ابن الجوزي قال عبارته الشهيرة: «زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبوحيان التوحيدي وأبو العلاء المعري. وأشدهم على الإسلام أبوحيان لأنهما صرحا وهو مجمجم لم يصرح». كذلك فقد رماه الذهبي بسوء الاعتقاد ووصفه بالضال الملحد. وقال ابن حجر: كان صاحب زندقة وانحلال. إلخ.. ولكن هذا (الزنديق المنحل) أتحفنا بكنوز تراثية قل نظيرها. لقد أتحفنا أبوحيان التوحيدي بالإمتاع والمؤانسة، والبصائر والذخائر، والصداقة والصديق، والإشارات الإلهية، وغيرها من عيون التراث. ثم أتحفنا بهذا الكتاب الذي لم يصلنا عن الحج العقلي وتمييزه عن الحج الشرعي. وهي فكرة مدهشة جداً، وتكاد تدوخ العقول. إنها سابقة لزمنها بكثير، لا بل سابقة لزمننا نحن أيضاً. وهي تشبه ما كتبه فلاسفة الألمان وعباقرتهم من كانط إلى هيجل إلى فيخته وشيلنج إلى الشاعر الكبير هولدرلين. انظروا المانيفست الكبير للفلسفة المثالية الألمانية، أعظم فلسفة في العصور الحديثة. هم أيضا ميزوا بين الإيمان المرئي الظاهري السطحي/ والإيمان اللا مرئي المستبطن في الداخل. وهو وحده الجوهري الحقيقي. فمن يتباهى بإيمانه أمام الناس لا معنى له. المؤمن الحقيقي يعيش إيمانه في السر بينه وبين ربه ولا يمنّ على أحد بذلك. هم يتحدثون حرفياً عن الكنيسة الظاهرية/والكنيسة اللا ظاهرية. والأولى مثقلة بالطقوس والشعائر التي لم تعد تعني لهم شيئاً في عصر العلم والحداثة والعمل والإنتاج. ولذا أعتقد أنه ليس من قبيل التهور أن نقارن بين مصطلح التوحيدي ومصطلحهم هم. فهو يعتقد أن الإنسان يمكن أن يحج إلى مكة المكرمة وهو جالس في بيته عن طريق الاستبطان الروحاني لفكرة الحج ورمزانيّته المقدسة. كما يمكن أن يصلي دون أن يصلي ويصوم دون أن يصوم. وهذا يعني أن الطقوس ليست مهمة بحد ذاتها، أو ليست مقصودة لذاتها، وإنما لشيء آخر يتجاوزها. فقد أصلي وأنا أقبل زهرة أو أتأمل في منظر طبيعي خلاب يشهد على بديع صنع الخالق. وأحياناً أتأثر لمنظر امرأة فقيرة وعلى ذراعها طفل جائع. فأحاول مواساتها بما تيسر في الجيب، بقدر ما أستطيع. وقد أصوم دون أن أصوم على الإطلاق. أصوم فقط عن الشر والخبث وإيذاء الناس.

زمن معكوس

يبدو لي أحياناً أن هناك علاقة مباشرة بين الدين/ والإرهاب. ليس كل دين أو تديّن بطبيعة الحال. فتدين القرون الوسطى غير تدين العصور الحديثة، تدين ما قبل الأنوار غير تدين ما بعد الأنوار. نقطة على السطر. تدين كانط أو فولتير غير تدين زعماء الأصولية المسيحية من أمثال بوسويه، الذي كان يرعب حتى لويس الرابع عشر. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن التوحيدي والمعري والمتنبي وابن سينا وسواهم من عباقرة العرب والإسلام كانوا ينتمون إلى المرحلة التنويرية، التي انطفأت لاحقاً بدليل ما وصلنا إليه اليوم. إنه دليل على أن التنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بسبعة أو ثمانية قرون على الأقل. وبالتالي فالزمن التاريخي معكوس بين عالم العرب/ وعالم الغرب. عندما كنا مستيقظين كانوا نائمين، وعندما استيقظوا نمنا بدليل أن الظلام يعم الآن عالم الإسلام. أحياناً يخيل لي أني ولدت في بيئة وهابية، داعشية، طالبانية، على الرغم من الأمر ليس كذلك على الإطلاق. ولكن التزمت هو التزمت، والتحجر هو التحجر، في كل المذاهب والطوائف. ولا شك في أن التربية الدينية الصارمة التي تلقيتها في طفولتي الأولى على يد والدي الشيخ المهيب الرهيب كانت السبب في انقلابي ليس على الدين في المطلق وإنما على تدين القرون الوسطى بالذات. كنا لا نستطيع أن نفتح الراديو في حضرته إلا على القرآن الكريم. كنا ننتظر غيابه عن البيت لكي نتجرأ على سماع الموسيقى أو أغاني صباح وفريد الأطرش، إلخ.. كان يشيع في البيت جواً لاهوتياً كهنوتياً يخنق الأنفاس والعقول. وذلك على عكس عمي (الشيخ محمد) الذي كان ليبرالياً، فيلسوفاً، رائعاً، بل أول فيلسوف في حياتي قبل جامعة دمشق والسوربون! ليس غريباً إذن أني كرست كل عمري لترجمة أركون ونقل فكر الأنوار الأوروبية إلى اللغة العربية. على عكس ما يظن الناس فلم يكن ذلك على سبيل الاستعراض الفارغ أو لنيل الشهادات الأكاديمية، وإنما لكي أحرر حالي من حالي بكل بساطة. كل ما ترجمته وكتبته حتى الآن كان عبارة عن محاولة يائسة، استبسالية، شبه بطولية، للتخلص من التراكمات، من القرون الوسطى المظلمات. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف