• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أمة قابلة للقسمة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 02 يوليو 2014

محمد أبو كريشة

كاتب صحفي

كل شيء الآن قابل للقسمة.. الدول والناس والمبادئ والحب والزواج.. وهناك قول بالغ الدلالة لفيلسوف إغريقي.. أظنه ديموقريطس أو هيروقليطس، وهو أن كل شيء يسيل ولا شيء يبقى.. والإنسان لا ينزل النهر مرتين.. بمعنى أنني إذا نزلت النهر مرة أخرى فإنني أنزل نهراً جديداً وماءً مختلفاً.. فلا شيء يبقى على حاله.. وهناك حالة سيولة دائمة ولا شيء اسمه الثبات.. كل شيء نسبي ومتغير وسائل.

معنى ذلك أن المشكلة نفسها قد تصبح حلاً.. ولا حل سواه.. فالطلاق مثلاً مشكلة لكنه قد يكون حلاً.. الأمر مثل العملة له وجهان.. أحدهما وجه المشكلة والآخر وجه الحل. ويقال إن المرء لا يختار أبداً بين الخير والشر ولا بين الحلو والمر، لكنه يختار أخف الشرين وأحلى المرين. وربما يكون اختياره خاطئاً، بل ربما لا يكون له اختيار أساساً. وتقسيم العراق أو سوريا أو ليبيا أو أي دولة من دول “الخريف العربي” كان أمراً بعيداً جداً ومستحيلاً ولم يخطر على بال أحد. كان التقسيم مشكلة أو كارثة، ولكنه مع الوقت كاد يتحول إلى حل. ومع الوقت أيضاً صارت عودة العراق أو سوريا أو ليبيا سيرتها الأولى غير واردة.

والعالم يتعامل مع المشاكل والقضايا العربية بطريقة إدارة الأزمة لا حلّها، حدث ذلك في قضية فلسطين التي ذابت وتلاشت ولم تعد قضية العرب الأولى، فلا توجد قضية ولا توجد فلسطين، وظلّت قضية فلسطين مجرد بند في جداول أعمال القمم والاجتماعات العربية والدولية، مجرد تسجيل مواقف مكررة ومملة ومتثائبة إلى أن صار هناك واقع جديد على الأرض، فرضه أسلوب إدارة الأزمة الذي يتبعه العالم معنا. وانطفأت الأنوار والأضواء عن فلسطين لتضيء في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر، ودول “الخريف العربي”، وأصبحت لدينا ألف قضية فلسطين جديدة، تحولت أيضاً إلى بنود على جداول أعمال الاجتماعات. وظهر واقع جديد وهو سيقود حتماً أو هو قاد حتماً إلى التقسيم.

أصبح الكلام عن تقسيم سوريا أو العراق أو ليبيا أو حتى اليمن عادياً جداً، بل أصبح رسمياً كما قال مسعود بارزاني عن حتمية استقلال إقليم كردستان عن العراق. وهناك دلالة واضحة لهذا القول في حضور جون كيري وزير الخارجية الأميركي، مما يعني أن الولايات المتحدة تبارك هذه الخطوة أو حتى في أضعف الإيمان لا تعترض عليها. والصمت الإسرائيلي شبه التام عن التقارب الأميركي الإيراني له دلالة أيضاً، فإسرائيل لم تكن تكف عن مهاجمة إيران ورفض التقارب الغربي معها، وفجأة صمتت إسرائيل تماماً مما يعني أن وراء الأكمة ما وراءها.

والاتفاق النووي بين إيران والغرب قادم لا محالة، ولا أصدق أن هناك نقاط خلاف الآن بين الطرفين، هناك فقط محاولة من الجانبين لإظهار أن هناك صعوبات في التفاوض حتى يقال عن الاتفاق عند إنجازه إنه تاريخي، والسياسة لا تعرف المبادئ ولا الأخلاق ولا الفضيلة.. ولكن دائماً هناك صفقات قد تكون قذرة أحياناً، وهو ما جرى بين الغرب وإيران، فلم تعد أميركا بالنسبة لإيران الشيطان الأكبر، ولم تعد إيران في رأي أميركا أحد أضلاع محور الشر، ومسألة الثوابت والمبادئ في السياسة لم يعد يرددها أحد سوى العرب، لأن السياسة في العالم كله سائلة ومتغيرة والإنسان لا ينزل نهر السياسة مرتين. كل الأطراف التي تلعب على الطاولة العربية ليست عربية، وكلها لديها أوراق لعب تناور بها، وهناك اتفاقية سايكس بيكو جديدة لتوزيع مواقع ومناطق النفوذ في الأمة العربية ورسم خرائط جديدة، لكن الاتفاقية هذه المرة ليست بين دول غربية، بل بين الغرب ودول أخرى في المنطقة، وكما استيقظ العرب عام 1916 على واقع تقسيمي مرير فرضته سايكس بيكو الأولى، فإنهم يستيقظون الآن على واقع أمر تفرضه سايكس بيكو الثانية، وهو واقع لا راد له ولا سبيل إلى تغييره، لأن العرب ليست لديهم أوراق يلعبون بها مع الآخرين.

وإذا كانت اتفاقية سايكس بيكو الأولى قد قسّمت مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا على أساس جغرافي وخلق حدود هشّة بين الدول العربية، فإن سايكس بيكو الثانية تلعب بالورقة الأخطر وهي تقسيم المنطقة على أساس طائفي ومذهبي وديني، والتقسيم الجغرافي وقع بلا دم ولا حروب طاحنة، لكن التقسيم المذهبي والطائفي يخوض العرب من أجل الوصول إليه أنهاراً من الدم، وهذه الأنهار الدموية ستكون الحدود الفاصلة بين العرب إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وسايكس بيكو الثانية ستقضي تماماً على النظام العربي أو ما يسمى الأمة العربية لحساب الكيانات العرقية والطائفية والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود ولحساب إسرائيل وقوى أخرى في المنطقة، وسايكس بيكو الثانية حوّلت أعداء الأمس القريب إلى أصدقاء اليوم والغد على حساب الكيان العربي. فقد التقت أهداف الغرب وإيران وتركيا وإسرائيل وتقاطعت في نقطة واحدة ولم يعد بالإمكان وسط هذه الثارات والدماء وملايين اللاجئين والنازحين أن تعود المياه العربية إلى مجاريها الأولى. هناك الآن حرب عالمية ثالثة تدور رحاها في المنطقة العربية، وهي حرب وقودها العرب وضحاياها، وسيجني ثمارها بالتأكيد أطراف سايكس بيكو الثانية، فبأس العرب بينهم شديد، وهم أعزة ضد أنفسهم، أذلة عند أعدائهم.. لقد عرفنا دائماً كيف نشعل الحروب بيننا.. وقتلانا بأيدينا أضعاف قتلانا بأيدي أعدائنا، ولم نعرف أبداً كيف نُنهي الحروب، حتى اتفاقيات الهدنة تكون دوماً هدنة على دخن وسرعان ما تنهار ليعود القتال من جديد - كما حدث في اليمن - ومع الوقت وتزايد أعداد الضحايا، ونفقد القدرة على تحديد من يقاتل من ولماذا ولحساب من.. حتى يصبح القتل والدمار غاية.. وينقسم ما كان موحداً ويتفرق ما كان مجتمعاً.. كما حدث للمعارضة السورية التي انقلبت على نفسها ويوشك رفاق الأمس أن يوجهوا سلاحهم إلى صدور بعضهم اليوم.

كل المشاكل والأزمات التي تعصف بالأمة ستصبح حلاً مريراً بعد قليل.. وسنرضى بما رفضناه ونقول نعم لما قلنا له لا.. وسيتوالى مسلسل التنازلات، وسيصبح كل شيء في هذه الأمة قابلاً للقسمة، اعتدنا ذلك وتآلفنا معه، حتى حصلنا بامتياز على لقب أمة الفرص الضائعة والمواقف المائعة، تشددنا فيما يجب فيه اللين، وتراخينا فيما يجب فيه التشدد، وكان استدراجنا دائماً إلى الفخ سهلاً، وأصابتنا الهشاشة الفكرية والرخاوة، وفقدنا البوصلة والاتجاه، واتخذنا إلهنا هوانا فضلَّنا عن السبيل، وأصبح تفتيت هذه الأمة أمراً ميسوراً لأنها هشة، ولأن جهاز مناعتها الفكرية والعقلية تعرض للتدمير، وكانت وأصبحت وستظل إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.. أمة قابلة للقسمة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا