• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
  12:19    محكمة سعودية تقضي بإعدام 15 شخصا بتهمة التجسس لحساب إيران         12:36     تعيين كازنوف رئيسا للوزراء في فرنسا خلفا لفالس     

الستينيات.. جيل الوعي القومي الهائج والآمال المهشمة

سنوات الخيبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 فبراير 2016

حنا عبود

لمزيد من التحديد نشير إلى أن الكلام من وحي تجربة جيل من عرب الشمال في النصف الثاني من القرن العشرين، جيل الوعي القومي الهائج والتجارب الخائبة والآمال المهشمة. وربما كانت الخيبة أننا فشلنا- أو أخطأنا أو بالغنا أو تهاونا...- في تحديد هوية الانتماء، فلم يكن لنا آباء محددون، ولا أجداد معبودون، بل خليط من الغرب والشرق، ما هب ودب، من غير تمييز بين ثقافة الانتماء وثقافة الاحتواء، مما جعل الهوية العربية شعاراً لفظياً، ليس فيها خطوط عميقة، ومعالم بارزة.

انجرفنا مع الأفكار القومية نظرياً، ورحنا نختار أي بارقة شعرية أو سيرة أدبية تفيدنا في «مسيرتنا» القومية، حتى أننا خوّنا امرىء القيس لاستنجاده بقيصر، وشتمنا أبا رغال. أما عملياً فكنا مثل الفراخ التي تركض وهي مذبوحة... لا تخطيط ولا هداية عملية، مما أتاح للانقلابيين ولصوص الانزلاق، الدخول من الباب العريض، يرددون باللسان أصداء الصرخات، وبالأيدي ينتزعون الحناجر. بالأمل نُستدرج فنرقص بالبيارق، وبالخيبة نعود بها صفراء مبرقعة، فرحنا نتلهى، كذي الرمة، بلقط الحصى والخط في الرمل، فجمعنا الشيوعية والقومية والإنسانية والوجودية وكل ثآليل الفكر الإيديولوجي... في كيس الساحر، ولم نقدر أن نخرج شيئاً منه، في حين كان «الكبار» ينفذون بالزومبي ما خططوه... وعندما علمتنا الخيبات المتكررة شيئاً، مما سميناه وقتها «الانتقاد الذاتي» كان القطار قد فاتنا، وحلّ عصر العولمة.

شعارات.. عكاكيز

نظرنا إلى الواقع نظرة مثالية، فطمسنا معالمنا الحقيقية، وبالطباشير رسمنا صورة الغد الوهمية، واتخذنا الشعارات الهلامية عكاكيز لتجسيد القومية، كالوحدة والاشتراكية... وانجرفنا وراء ما صوّرته أوهام انفعالاتنا، من غير أن نضع الأساس المادي، فأدينا التباريح، وجلسنا إلى الولائم ورحنا نرقص في التفاريح على وهم النصر، وبدر الجمالي يدير رقصة المقابر استعداداً لمباشرة المجازر. واليوم ننظر فإذا الهوية مطموسة، وإذا الذين كنا نستخف بتجربتهم في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أوعى منا وأفضل. كنا نهزأ من الأفريقيين كيف يؤمنون بأن أجدادهم يزورونهم في المناسبات والأعياد، يطوفون أرجاء القبيلة، ويتفقدون أمورها، واليوم لم يزرنا الأجداد، ولا نحن زرناهم، لأن الاندفاع رفع رؤوسنا كثيراً فلم نر ثعابين الأرض في الأرض تسعى.

كانت عبادة الأجداد القديمة نوعاً من التربية، فالجد السيئ الصيت لا يتنسم الأحياء منه عطراً. أما الأنيس الوديع المليح، المثمر الروح بلا كبرياء، والمانح بلا منّة، والمحتفظ بكرامته من دون عنف، فإن سيرته تعطر السهرات والأماسي، ومن هذا النوع يظهر الأبطال وأنصاف الآلهة، أو من يسميهم الباحثون الأبطال الحضاريين، واختيار الأبطال الحضاريين كان في القديم سهلاً، فكل شخص يرتقي ليكون قدوة بعمل بطولي، يصبح معمماً على الجميع، وعمله يصير نهجاً. أما الطقوس النابعة من هذه العقيدة فإنها أداة تواصل، يقال إنهم يتواصلون بالإغماء الذي يعقب الرقص الشعائري... نحن أردنا الإغماء بالوعي، ونشدنا الوعي بالإغماء، فبالوهم نشأنا ومن الوهم سكرنا، فما تواصلنا مع أبطال السلف ولا أعددنا رجال الخلف. كان الشعب البدائي أوعى من جيلنا في اختيار الجدود. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف