• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

قراءة في رواية الصّادق النّيهوم «من مكّة إلى هنا»

في مرآة الحيوان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 فبراير 2016

العادل خضر

أن تجري حكمة الإنسان ومنطقه على ألسنة الوحش والطّير فذاك ما تزخر به أمثال كليلة ودمنة وخرافات لافونتين، فقد كان الحيوان في هذا النّوع من الأدب لسانَ الإنسان وهو يتكلّم من وراء قناع. وسواء أكان المتكلّم حكيماً أم مجنوناً، ظلّ الحيوان في ذلك الأدب دهراً يُعير قناعه لوجه الحكمة أو الجنون، وما زال هذا القناع إلى اليوم يُطالعنا بين الفينة والأخرى في أعمال روائيّة بطلها حيوان يتكلّم كالحصان، أو الكلب على نحو يكون فيه الوضع البشريّ موضوعاً لنظرة الحيوان، وهي نظرة لا تجعلنا نعيد التّعرّف إلى الأشياء وإنّما تحملنا على أن نحسّ بها إحساساً ينطوي في حدّ ذاته على رؤية فيها من الغرابة والتّغريب ما من شأنه أن يحمل القارئ على أن يجدّد طرائق إدراكه للعالم ويحييها، فيطرح على الوجود أسئلة نسِينَاها في خضمّ الحياة.

تزاحم القناع في آدابنا الحديثة صورة أخرى من صور الحيوان هي المرآة، أو المرآة الحيوانيّة. وهي ليست من جنس المرائي الصّقيلة الّتي تعكس صورة الإنسان وقسمات الوجوه ودقيق تفاصيلها، وإنّما تُرجع إليه صورته إرجاعاً ليتدبّر بواسطتها شأنه الحيوانيّ أو حيوانيّته الّتي ما فتئ يتوارى منها بأقنعة العقل والحكمة وبلاغات الكلام المضلّلة، فأمام الحيوان ما فتئ الإنسانُ في التّصوّر المسيحيّ أو الدّيكارتيّ وحتّى الفاشستي ينكر حيوانيّته، فكلّما مارس الحب كما نقول اليوم، اقترب من منزلة الوحش الحيوانيّ وابتعد عن طبيعته الأخلاقيّة والرّوحيّة. هذا النّكران ما فتئت تقاومه مرآة الإنسان الحيوانيّة، وتؤكّد بصدقها الّذي لا ينخدع انتماء الإنسان إلى جنس الحيوان عامّة بما أنّه ككلّ الكائنات الحيوانيّة يولد ويحيا ويموت. ولعلّ هذا الاعتراف بحقوق الإنسان الحيوانيّة، وإن كانت قد أنكرته بعض الإيديولوجيّات والأديان والفلسفات، قد وجد في الأدب صورته أو صوره المختلفة.

تجربة الوحدة

غير أنّ المرآة الحيوانيّة الّتي تعنينا في هذا المقام إنّما هي حيوان أعجم لا يتكلّم ولا يعير شيئاً من كيانه سوى صمتِه. وليس صمت الحيوان طرساً يُسجّلُ عليه الكلامُ، وإنّما هو مرآة تَستقبلُ صورة الذّات الّتي تتكلّم، أي الصّورة الّتي يصنعها الكلام بصمت الحيوان. ويُمكن أن نتساءل: هل يستقبل صمتُ الحيوان كلَّ كلام؟ أم هو ضرب من الصّمت لا يستقبل إلاّ الكلام الّذي تكون فيه الذّات المتكلّمة قد خاضت تجربة يمكن أن نسمّيها تجربة الوحدة. فأن يكون المرء وحيداً في العالم هو في حدّ ذاته جرح، ولكنّه جرح لا ينفتح إلاّ بالكلام. وإذا استحضرنا أنّ (ك.ل.م) في اللّسان من معانيها الجرح، أصبح المتكلّم بكلامه جارحاً وجريحاً، بل بذلك الجرح الّذي يحدثه الكلام تنفتح الذّات المتكلّمة على وحدتها، أو على وعيها بانفصالها عن العالم، غير أنّ هذا الانفتاح لا يكون في تجربة الوحدة إلاّ أمام الحيوان ورفقته، ولا ينكتب إلاّ بصمت الحيوان ونظرته الخرساء، فالصّمت والحيوان كلاهما شيء واحد. وعندما يجابه الإنسانُ صمتَ الحيوان يُفرض عليهما بالضّرورة وضع الوحدة بما هي تجربة.

وإذا علمنا أنّ الفعل الّذي اشتقّ منه لفظ الاستعارة في اللّسان الإغريقيّ، وهو (metapherô)، يعني في اللّسان العربيّ (حمل وانتقل وتحوّل)، صار من الطّبيعيّ أن لا يكون الكلام في تجربة الوحدة مجرّد عمل من أعمال القول وإنّما سبيل المتكلّم إلى أن ينحت بالكلام كينونة أخرى، فالكلام في تجربة الوحدة لا يرسّخ قدم الذّات المتكلّمة في العالم وإنّما يضاعف من إحساسها بانفصالها عنه كلّما ازداد وعيها بذاتها حدّة، ولكن ما هو العالم الّذي تحاول الذّات الانفصال عنه؟ يقول موريس بلانشو: «حين أكون وحيداً، لا أكون موجوداً هنا». فقولي «أنا موجود» هو إثبات للكينونة بمعزل عن الآخرين ومن دونهم. وهذا بالضّبط هو ما نسمّيه وحدة حين نكتشف بقول «أنا موجود» العدم الّذي يؤسّس الذّات المتوحّدة. حينها يغدو الإنسان واعياً بذاته بوصفه منفصلاً، منسيّ الكينونة، أي يصبح على وعي بأنّ جوهره ليس في أن يكون فحسب، وإنّما في أن لا يكون. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف