• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

شُرُفات على التّاريخْ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 أكتوبر 2017

د. منصور جاسم الشامسي

الحُصونُ والقِلاعُ وجْهٌ مِنْ وجوهِ الوجودِ والحضارةِ الإنسانيَّيْن، وشَكَّلتْ ضرورةً حياتيةً، وهي مُفْعَمةٌ بالجَماليّ والدَّلاليّ، تَتَمَرْأى بَصَرياً بِفُنونِها الْمِعْماريةِ، وهَندستِها، وآفاقِها، مُنسابةً في المَدى الأرضِيّ، ولَعبتْ أدواراً حاسِمةً في نَشأةِ المُدنِ والدُّولِ والمُجتمعاتِ والإمبراطورياتِ، وكانتْ مُنَظِمةً لِشُؤونِها، مَعْنيةً بإصلاحِها، ومن جِهةٍ أخرى، انْتهجَتْ نَهْجَ السَّيطرةِ على المجالاتِ الحَيويةِ في الحياةِ، لتأمينِ الوُجودِ، أو النُّفوذِ، أو الهَيْمَنةِ، أو تَحقيقِ التَّمدُّدِ، بوسائلَ عِدَّةٍ، فَضلاً عَنْ قِيامِها بوظائِفَ اجتماعيةٍ. كانتِ الحُصونُ والقلاعُ مراكزَ قُوّةٍ.

في التاريخِ العربيِّ الإسلاميِّ، الحُصونُ والقِلاعُ عَمارةٌ عسكريةٌ، ترافقتْ مَعَ نَشأةِ البُيوتِ والمساجِدِ، فكانَتْ نُواةَ مَدائنَ، والأسوارُ الّتي عَرَفَتْها المَدائنُ العَربيةُ التاريخيةُ حُصونٌ. كما أدّتِ الحُصونُ والقِلاعُ دَوْرَ البُيوتِ، والمَساكنِ، والمَنازلِ، بمُسْتَلْزَماتِها. ومُصطلحُ «القَلْعَةِ» العربيُّ دَخَلَ قواميسَ بَعضِ اللُّغاتِ الأجنبيةِ، في دَلالةٍ على قُوةِ التّأثيرِ الحَضاريِّ العَربيِّ، فالثَّراءُ العربيُّ الإسلاميُّ، في الشرقِ الأدنى، تَحديداً، بالقلاعِ والحُصونِ، أَثّرَ في العَمارةِ والهَندسةِ الأوروبيّتَيْن للقللاعِ والحُصونِ، عَبْرَ التَّواصُلِ، أو التَّجاذُبِ، أو الصِّراعِ، أو التَّفاعُلِ بينهما.

«القَلْعَةُ» اسْتِحكامٌ عَسْكَريٌّ بَحْتٌ، مَعَ مُستَلْزَماتِهِ المُتَنوّعَةِ، في حينِ أنَّ «الحِصْنَ» يَشهَدُ أنشطةً مَدَنِيةً أوسعَ، كالحياةِ السياسيةِ والاجتماعيةِ، إلى جانبِ سِمَتِهِ الحَرْبيةِ، الصِّرفَةِ، في دَلالَةٍ على التَّواشُجِ السّياسيِّ الاجتماعيِّ العَسكريِّ الرُّوحيِّ الثَّقافيِّ. «القَلْعَةُ» تَتَمَيَّزُ بسماتٍ رئيسةٍ، كالشُّرُفاتِ المُتقدِّمةِ، والأقْواسِ والزّوايا، والمَتاريسِ الدّفاعيةِ، والأبراجِ، والمَشْرَبيّاتِ التي تَلعبُ دَوْرَ النّوافِذِ، والمَداخِلِ المُتعَرِّجَةِ؛ جَمالياتٌ مِعماريةٌ، وللقَلْعَةِ نظامٌ إداريُّ وعسكريٌّ، وقَدْ تَحملُ القلاعُ، أو بعضُها، مُسمياتِ «القُصور»، أو سِماتِها لجَمالِ عَمارتِها، وحياتِها الأَرِسْتُقراطيةِ.

القَلاعُ والحصونُ كانتْ سُكْنى لأباطرةٍ وجَبابرةٍ ومُلوكٍ وأُمراءَ ونُبلاءَ وخُلفاءَ وقَادةٍ وفُرسانٍ ومُناضلينَ ومُجاهدينَ ومُرابطينَ، وغَيْرِهِمْ مِنْ مُقاتلينَ، أو مُغامرينَ، على اخْتلافِ مشاربِهِمْ، خاضُوا وقائعَ، وحوادثَ، مُتنوّعةً مِنْ نِزاعاتٍ وصراعاتٍ وحُروبٍ؛ غَزْوٍ، دفاعٍ، فُتوحٍ، مُغامراتٍ، ثَوراتٍ. كما لازمتْ عوالِمَ القِلاعِ والحُصونِ أساطيرُ، وقِصصٌ خُرافيةٌ، غَرائبِيَّةٌ، تَفاعلتْ معَ قِوى الطَّبيعةِ، و الأدواتِ السّحْريّةِ.

البُعْدِ الإماراتيّ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا