• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

في اضمحلال وتناقص الذكريات

لم نفقد الجمال وحده

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 نوفمبر 2016

محمد الأسعد

إذا كان صحيحاً، وهو صحيح بالطبع، أن الظاهرة المعمارية، من خلال وجودها في مجال الرؤية البصرية، هي كتابٌ مفتوح نمرّ بصفحاته يومياً، فإن هذا الكتاب بكلماته وجمله وسطوره وفصوله لم يعد مفهوماً بالنسبة لنا، جزئياً أو كلياً، أو لم يعد كذلك بالنسبة للغالبية العظمى من سكان المدن والقرى العربية. إن رسالته، برموزها وإشاراتها، لم تعد إلا خليطاً لا رأس له ولا ذنب، يحجب حتى اللغات المعمارية التي ألفناها، أو يتدخل فيبعثرها، أو يحولها إلى أصداء ووهوهة شبيهة بتناوح الرياح وهي تلوذ بأطراف الجلاميد.

لم نفقد سحرَ الظلال وحده، كما رأى الروائي الياباني «جونشيرو تانيزاكي»، حين انتشرت المصابيح الكهربائية التي لم نخترعها، واقتحمت الأضواء الساطعة المختليات والمحاريب والقاعات، وطردت أوهى الظلال منها، وتغيرت مفردات عمائرنا التقليدية وخرجت على سيطرتنا، أو فقدت في نظر بعض الناس وظيفتها، بل فقدنا ذلك التناغم بين مفردات لغة أساسية تستمد منها المدن والعمائر مظهرها وشكلها، ويتشكل منها الكل العضوي، أي «كتابها» المفتوح.

هذه المفردات، أو العوامل التي لابد من الأخذ بها حسب تعبير مخطط المدن «د. سابا شبر»، هي الجغرافية التي تشمل عنصر المناخ، ومعالم الأرض التي تعني العناية بطبيعة موقع المدينة، والفلسفة العمرانية التي هي عنصر أكثر رهافة ودقة من العنصرين الآنفي الذكر، فهي ذات صلة بالنواحي الاجتماعية والمعنوية والجمالية أكثر من اتصالها بالنواحي الطبيعية الملموسة، وأخيراً يأتي عنصر الحياة الاجتماعية الشامل لجميع خصائص ومميزات وعادات البيئة.

تناغم هذه العناصر يقع في صلب أي تفكير معماري شرقي. فلو كنا من اخترع وسائل الإضاءة، لاتخذت شكلًا مختلفاً، ولكانت لها وظيفة مختلفة، هذا ما يقوله الروائي الياباني الذي يندب ضياع المفهوم الشرقي لتفاعل وتناغم الضوء والظل، أو تدميره بالأحرى بسطوة المفهوم الغربي، ذاك الذي يرى أن الشمس لا تعرف كم هي جميلة إلا حين تسقط على جدار بناية. فالغربي الذي يهتف هكذا منتشياً، يتحدث عن الشمس وليس عن الجدار، يتحدث عن طرف دون آخر، ليس عن تناغم بين شمس وجدار، بين ضوء وعتمة، التناغم الذي يشكل أساساً وجودياً في النظرة الشرقية لا تقوم للوجود قائمة من دونه.

بكلمة مختصرة، ما فقدناه هنا هو «النص» أو اللغة المعمارية التي يتشكل برموزها وإشاراتها ما نقرأه في المكان، سواء كان مكاناً ألفناه أو كنا على وشك التعرف عليه. ومثلما تضيع معاني الكلمات والسطور ثم النصوص حين لا تتجمع لتؤدي رسالة ما، أو تتحول إلى مجرد ضجيج، كذلك معاني المفردات المعمارية حين تصبح غير قادرة على الإشارة أو الدلالة، فيصبح المعمار أشكالًا وحجوماً ومسطحات بنائية عاجزة عن تشكيل بيئة معمارية بفقدانها لعناصر التكامل الأربعة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف