• الاثنين 23 جمادى الأولى 1438هـ - 20 فبراير 2017م

مالك شبل.. إسلام الأنوار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 نوفمبر 2016

هاشم صالح

فوجئنا برحيل المفكر الجزائري الشهير مالك شبل في باريس قبل يومين بمرض السرطان الرهيب.ومعلوم أنه كان أستاذاً جامعياً، ومحللاً نفسانياً، ومدافعاً كبيراً عن إسلام الأنوار.وكان قد ولد في الجزائر العام 1953، أي أصغر مني بثلاث سنوات. ومع ذلك فلم أمت أنا حتى الآن. ولا أحد يعرف لماذا؟ «كأنك في جفن الردى وهو نائم». أقول ذلك على الرغم من أني مرشح بقوة للظفر بهذه النعمة التي لا تقدر بثمن. ولكن سبحان مقدر الأعمار، وهادم اللذات، ومفرق الجماعات. ولله في خلقه شؤون. لكن دعونا من هذه الاعتبارات الميتافيزيقية التي تجل عن أفهامنا وتتجاوز عقولنا ولندخل في صلب الموضوع.

تفوق علمي

كان مالك شبل قد ولد في مدينة «سكيكدة» الساحرة المستلقية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في الجزائر الغناء. وهي مدينة محاطة بالغابات والتلال والكثير من الجمال. فقد حباها الله من خيرات الطبيعة ما تحسدها عليه مدن كثيرة. وبعد أن نال شهادة البكالوريا في الفلسفة والآداب العربية انتقل الى جامعة قسنطينة لإتمام دراساته الجامعية. ومن هناك انتقل العام 1977 إلى باريس لتحضير شهادة الدكتوراه، كما يفعل المثقفون المغاربيون عموماً. وهناك نال أولاً شهادة دكتوراه في علم النفس والتحليل النفسي على يد جان لابلانش أحد كبار المشاهير، بالإضافة إلى جاك لاكان. ثم نال شهادة دكتوراه ثانية العام 1982 في الأنتربولوجيا وعلوم الأديان. ولم يكتف بذلك وإنما نال شهادة دكتوراه ثالثة من معهد العلوم السياسية في باريس. وهكذا نال المجد من جميع أطرافه، وأصبح «الدكاترة مالك شبل» كما كنا نقول الدكاترة أحمد زكي. وفي باريس استقر بعد أن تفتحت مواهبه الابداعية كما يحصل للكثيرين. فباريس مؤاتية للإبداع وتفتح العبقريات بفضل حرياتها ومكتباتها وجامعاتها ومحاضراتها ومغازلاتها وعفى الله عما مضى. باريس أكبر مركز ثقافي في العالم. وراح يشتغل على خطين أساسيين: خط الكتابة الأدبية عن كنوز تراثنا العربي الإسلامي التي تضج بالعطور والروائح والجمال والحب والجنس وألف ليلة وليلة، وخط الكتابة الفلسفية عن تراثنا الإسلامي الذي كان مملوءاً بالنزعات الإنسانية والعقلانية الفلسفية إبان العصر الذهبي، بمعنى آخر فقد كرس مالك شبل حياته لتقديم الصورة الحضارية المشرقة عن هذا التراث العظيم الذي شوهت صورته مؤخراً. لقد آلمه جداً ألا يعرف الفرنسيون والغربيون عموماً إلا هذه الصورة المشوهة المجتزأة المبتورة التي يبثها المتطرفون من جهتنا والحاقدون علينا من الجهة الأخرى. آلمه أن تبقى الصفحات المضيئة من تراثنا الأدبي والفكري والديني مطموسة ومجهولة من قبل حتى العرب أنفسهم. فشمر عن ساعديه وراح يصدر الكتب تباعا عن هذه المسائل الحساسة. والشيء المدهش هو أنه أصدر عشرات الكتب في عمر قصير. لقد أصدر أكثر من ثلاثين كتاباً وهو لما يتجاوز الستين إلا قليلاً. وكلها بالفرنسية. لا أعرف فيما إذا كان يكتب بالعربية التي كان يتقنها جيداً. من بين الكتب المكرسة للمحور الأول من اهتماماته نذكر: الجسد في الإسلام 1984، كتاب الإغراءات متبوعاً بعشر أقوال مأثورة عن الحب 1986، الخيال العربي الإسلامي 1993، موسوعة الحب في الإسلام 1995، التحليل النفسي لألف ليلة وليلة 1996، مائة اسم للحب في اللغة العربية 2001، الخ. هكذا تلاحظون أن تراثنا لم يكن كارها للحب والعواطف والحياة الجنسية والعشق والغرام كما يوهمنا التيار المتقعر المتزمت. لقد فاجأ مالك شبل الفرنسيين إذ كشف لهم عن هذه الجوانب الرائعة والجميلة جداً من تراثنا الأدبي. بل واستشهد بالحديث النبوي الشهير: «حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة».

صورة مغلوطة

يعتقد مالك شبل أن هناك صورة مغلوطة منتشرة عن الإسلام وتراثه. وهي صورة تقول بأنه مضاد للحياة والحب والمتع الحسية المشروعة. إنها صورة تظهر الإسلام على هيئة دين متجهم كالعبوس القمطرير.وهذه الصورة لا تعبر عن حقيقة الإسلام الأول إطلاقاً وإنما عن التشوهات التي تعرض لها بعد دخولنا في عصر الانحطاط. فالإسلام دين الإبداعات والحضارات الراقية من دمشق الأموية إلى بغداد العباسية ألى غرناطة أو قرطبة الأندلسية، إلى القاهرة الفاطمية، الخ، .إنها حضارة لطيفة ناعمة مرهفة صاحبة ذوق رقيق في الحياة والشعر والأدب والفن. إنها أجمل حضارة في العصور القديمة عندما كانت أوروبا لا تزال همجية، فظة، جاهلة. لقد ترجم مالك شبل العديد من النصوص العربية التي تبرهن على ذلك لكي يطلع عليها الفرنسيون ويعرفوا العرب والمسلمين على حقيقتهم. فالإسلام العظيم لا يمكن اختزاله إلى الصورة القمعية السائدة عنه حالياً بسبب المتطرفين الجهلة الذين قدموا له ولنا أسوأ خدمة في التاريخ. يقول مالك شبل ما معناه: بإمكانك أن تكون مسلماً حقيقياً ملتزماً تعاليم الدين من دون أن تحتقر المتع والملذات، ومن دون أن تنظر إلى المرأة نظرة دونية احتقارية، كما يفعل البعض حالياً. فالرسول الكريم كان يرفعها إلى أعلى مقام. وتالياً فشتان ما بين موقف النبي وموقف هؤلاء المتزمتين المظلمين. ينبغي أن يعلم الجميع أن الفهم السائد عن الإسلام حالياً معكوس ومغلوط. نقطة على السطر. ثم يردف قائلاً: الأصوليون يكرهون كل شيء له علاقة بالجسد والحب والجنس ويعتبرونه رجساً من عمل الشيطان.ولكن هذا موقف مضاد للموقف الحضاري الذي ساد العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية. اقرأوا تلك الصفحات الرائعة من كتاب ابن حزم الشهير «طوق الحمامة في الألفة والألاف». إنه من أجمل ما كتبته العرب عن الحب والجنس.وابن حزم هذا ليس متهتكاً ماجناً وإنما هو أحد كبار فقهاء الإسلام. وبالتالي فقد جمع المجد من طرفيه علم: الدين وعلم الدنيا. ليت أن شيوخ الإسلام المعاصرين يقتدون به أو يطلعون عليه على الأقل. أين الثرى من الثريا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف