• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

هي الأمضى تأثيراً في معركة كسب العقول

قوة الثقافة الناعمة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 نوفمبر 2016

ترجمة وإعداد: أحمد فرحات

خلال مقابلة صحافية مع محطة سي.بي.إس (C.B.S) في العام 2010، اعترفت هيلاري كلينتون بوجـود لحظات تكون فيها «الموسيقى أقـدر على نقل القيم الأميركية من الخطاب، مهما كان هذا الخطاب قوياً، عسكرياً وسياسياً». وبذلك يُسـتعار بث وانتشار رسالة سياسية مع نفوذها وتأثيرها على كثرة كاثرة من الأصوات؛ وهـذه الأصوات ليست سوى الصدى لإحدى الأواليات التي يسـعى كل حائز للسـلطة على رعايتها وتعهـدها: المشــروعية. فإذا جاءت هـذه المشروعية «من تحت»، كما يشـاء الازدهار الذي تشهده الحداثة الديموقراطية، تكون الأمور قد قطعت أشواطا تمكينية لا بأس بها على مستوى جذب الجمهور؛ إلا أن رعاية هذه «المشروعية» وصونها، وتعهـّدها، ينبغي أن تكون «من فوق»، عبر اسـتخدام القادة السياسيين لمختلف الأجهزة والتدابير المتعلقة بها. وهـذا البحث عن الرضا والقبول، هو المقابل لفكرة «القوة الناعمة» التي طالما نظّر لها جوزف ناي المفكر الأميركي المعروف.

وفكرة «القوة الناعمة»، هي أبعـد من أن تُجسِّد على الصعيد النظري مفهوماً علميّاً؛ فقـد جرى اســتخلاصها في مطلع سـنوات 1990، وفي سياق كان يتصف بنهاية القطبية الثنائية. كان هـدف جوزيف ناي، وهو ينقض كتاب بول كيندي «نشـوء القوى العظمى وسقوطها»، الذي أصدره في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، هـدفاً مزدوجاً: فهـو أولاً، يريـد توصيف طفرات مفهوم القوة أوالجبروت؛ لأنـه يرى أنـه لم يعـد بالإمكان تناول مثل هذا المفهوم بمصطلحات كمية حصراً، أي على أساس «كم» النمو الاقتصادي أو الحجم السكّاني القومي، وكذلك القدرات العسكرية. ثم إن ناي يريد، ثانيـاً، أن يبيّن أن بوسع الولايات المتحدة أن تسـتفيد كل الإفادة من القوة الناعمة، بل أكثر من هـذا، فتملّك القوة الناعمة والتحكّم بها، يمكنهما التخفيف من وطأة أطروحة تراجع الولايات المتحدة وربما أفولها. فبفضل هذه القوة، أي بفضل المكانة والمهابة والصورة والصدقيّة التي تتمتّع بها، يصير بمسـتطاع الولايات المتحدة، وقدرتها «وضع جدول أعمال سياسي يكون من شـأنه صوغ وتشكيل وتعديل الأفضليات التي يفضّلها عنها الآخـرون».

راح جوزيف ناي يصقل مفهومه تحت تأثير هجمات 11 سـبتمبر، وخصوصاً إثر التدخل العسكري في العراق. وهو لا يزال يصرّ على مزيّة الإغراء والإغواء، الذي هو نقيض القسر والإكراه وتفترضه القوة الناعمة. غـير أنـه لا ينبغي لهذا الإغـراء، التركيز حصراً، على التهديدات القائمة أو المحتملة؛ فهـو يضم الحلفاء أيضاً. ويضاف إلى ذلك، أن السـجال بـدأ ينزع الى الانزياح أو الابتعاد عن المركز. هكـذا، فإن مفهوم القوة الناعمة، الذي انطلق من السجال حول الجبروت الأميركي، بدأ يحظى بالتطبيق، تدريجاً على بلدانٍ أخرى. ويقيناً أن الشكوك التي تفسـد صلابة هذا المفهوم، تظل قائمة. وهكذا، فإن جوزيف ناي لا يحسم خياره بين المقاربات التي تركـِّز على الموارد، أو على علاقات القوة الفائقة كبنية. ولكنه يلحّ على عناصر كبرى؛ أهـمها، هـو أن القوة الناعمة (وخلافاَ لتأويلٍ سـائد) لا تقابل ولا تعارض القوة الصلبة التي تشمل الموارد المادية، الاقتصادية منها والعسكرية. فبسط ونشر القوة الأولى يفترض وجود الثانية. ثم إن خصوصيّة القوة الناعمة تكمن في طريقة ممارسة الغلبة والسيطرة قبل أي شيءٍ آخـر. وهي لا تنتمي إلى القسـر والإكراه، وإنمـا إلى جاذبية يمكن أن تكتسي أنمـاطاً مختلفة: الإقناع والإغراء والإغواء؛ فالتحكّم بالوسائل العسـكرية، لم يعـد يكفي في عصر الإعلام المعولم، من أجل توطيد الغلبة وترسيخ السيطرة. والدول التي تتمتع بهـذه الأنمـاط، يمكنها أن تروّج «أفضل تاريخ» و»أحسن رواية» وتكسب الجولة و»تفوز». وهذا هـو حال الفاعلين الغربيين، ابتداء بالولايات المتحدة. لكن هل يبقى هذا «الانتصار» ويسـتمر اليوم؟ إلى أيـة تدابير يستند هذا البحث عن الرضا والسعي وراء القبول؟ أليس أن «السـحر المتكتّم» للنفوذ ومفاتنه «الصامتة»، قـد باتت بين أيدٍ أخرى غـير أيادي الدول؟

جاذبية الإبداع بين فرنسا والإمارات

لا يقتصر النفوذ الدولي الذي تنشره الدول على الدوائر القيادية، فهو يضم ويجند أدوات ممـا لا زال علماء السياسة يسمونها منذ سـتينيات القرن الماضي «الدبلوماسية العمومية». والدبلوماسية العمومية هـذه تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، التي تتّصف بالعلاقات بين نظراء سياسيين، من حيث إن هدفها هـو إعلام الشعوب في الخارج والتأثير عليها. وهي تســتخدم من أجل هذا الهـدف أقنية عدة: الثقافة والتربية من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف