• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

على التماس

الثأر بين الممكن والمستحيل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 30 يونيو 2014

عزالدين ميهوبي

من مفارقات مباراة الجزائر وألمانيا اليوم أنها تأتي تحت إيقاع تاريخي معقد، فالألمان يقولون «إننا نعتزم الثأر لهزيمة رفاق برايتنر وشتيليكه وبريجل»، بينما يقول الجزائريون «ونحن سنثأر للمؤامرة الجرمانية التي حرمت بلومي وماجر وعصاد من بلوغ الدور الثاني»، وهي المباراة التي جمعت ألمانيا الغربية والنمسا وتم ترتيب نتيجتها بما يسمح للمنتخبين بالتأهل، بينما تسقط الجزائر رغم فوزها بمباراتين، وعلّق حينها المدرب الفرنسي ميشيل هيدالجو على هذه المباراة بقوله «إنها تستحق جائزة نوبل للسلام»..

وكان من نتائج هذه المؤامرة سيئة الذكر أن أعاد «الفيفا» مراجعة توقيت المباريات، فقرر إقامة المباراة الثالثة لكل المجموعات في توقيت واحد منعاً للتلاعب بالنتيجة.

وأذكر أنني كنت حينها جاوزت العشرين بقليل، وما زلت أحفظ تفاصيل تلك المباراة التاريخية وهوامشها، فقبل اللقاء بأيام قال المدرب الألماني آنذاك جوب درفال « إذا انهزمت سأعود مشياً على الأقدام إلى ألمانيا، وأعتزل التدريب» ولكنه غادر إلى تركيا دون أن يوفي بوعده، وقال بول برايتنر «إذا انهزمنا سأحلق لحيتي» ولم يفعل إلا بعد أن بلغ سن التقاعد، وقال هانز رومينيجه «سأهدي الهدف الثامن في مرمى الجزائر لزوجتي» ولم يهدها سوى أوتوجراف بتوقيع بلومي وماجر وعصاد، والحقيقة أن رفاق قندوز بقدر ثقتهم في فريقهم الذي دخل المحفل الكروي العالمي عشية الذكرى العشرين للاستقلال، فإنهم كانوا يعرفون جيداً أن الألمان أقوياء وهم مرشحون للفوز باللقب، لكن إذا لم يكن المستحيل ألمانيا، فإن الممكن جزائري، فانتصر الممكن على المستحيل، وأذكر أيضاً أن إحدى الصحف الألمانية قامت بتحليل أسباب الهزيمة (2-1) أمام منتخب نكرة اسمه الجزائر، فوجدوا أن السبب يتعلق بالنشيد الوطني الجزائري «قسماً» الذي يحمل إيقاعات تحفيزية، حين يسمعها الإنسان يشعر وكأنه يتهيأ لدخول معركة، ويبدو أنهم لم يخطئوا القراءة، فالنشيد يردده اليوم لاعبون ولدوا في الضواحي الباريسية، ويحفظونه جيداً، ويعرفون أن له قصة، تركت في قلوب الخصوم غُصّة.

في عام 1982 لم يكن جابو وفيغولي ومحرز وابراهيمي وحليش وغيرهم قد ولدوا بعد، لكنهم يعرفون أن الجيل الذي سبقهم لبلوغ العالمية، شعرَ بالظلم حين تآمروا عليه.. وهو لا ينتظر اليوم انتقاماً، لكنه يأمل أن يرى الجيل الحالي، قادراً على مقارعة الرخ الألماني كاملاً وليس نصفه (أي أن الجزائر واجهت ألمانيا الغربية قبل سقوط جدار برلين)، دون عقدة.. فالرأسمال مضمون بتحقيق هدف الوصول إلى الدور الثاني، وما تحقق بعد ذلك فهو فائدة لا غير.

ليس علينا أن نستهين بالخصم الذي لا يختلف حوله اثنان في أنه قوي جداً وصاحب خبرة، وليس علينا أيضاً أن ندخل منهزمين لأننا كشفنا عن وجود مهارات وقدرات عالية، كفيلة بقلب الطاولة على أي كان كما صرح مورينيو، ومثلما قال روراوة وسعدان لزياني ورفاقه في مونديال 2010 أمام المنتخب الإنجليزي «متّعوا واستمتعوا»، أي هذه فرصة تاريخية ليرفع العالم لكم القبعة مرّة أخرى، فإذا فزتم ذهبتم بعيداً في الحلم والتاريخ، وإذا خسرتم كسبتكم الاحترام والإعجاب.

قد يكون الثأر عنواناً لهذه المباراة، لكنّ الثأر الحقيقي، هو أن يمنح محاربو الجزائر فسحة أكبر من الفرح لأطفال فلسطين ومقهوري الانتكاسات العربية التي أنتجها الربيع الخائب، وأن يفتحوا باب الحلم واسعاً أمام أجيال عليها أن تبدأ بالممكن لتحقق المستحيل، وغداً يوم آخر.

mihoubimail@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا