• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

اللوحة ترسم الوطن وتحرره من لغة الاحتلال

ترسانة جَمال الجَبّارين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 يناير 2018

أم الزين بنشيخة المسكيني

القدس ليست مجرّد مدينة على الخريطة في قلب تاريخ دمويّ يعبث بحدود الدول، بل هي باحة عشق فنّية وتشكيلية وغنائيّة، تطفو على أسمائها فتبذر المعنى على قلوب الشعراء. إنّها «زهرة المدائن ومدينة الأحزان» معاً، «طفلة جميلة محروقة الأصابع..»، و«القدس منارة الشرائع..»..(نزار قبّاني)، حيث يتقاسم الأنبياء «تاريخ المقدس فيصعدون إلى السماء ويعودون أقلّ إحباطاً وحزناً» (محمود درويش)... فالقدس، حيث «تحضر الأرباب أيضاً» ليست مجرّد اسم كبير لجغرافيا حزينة امتدّ الحزن فيها إلى حقول البرتقال والزيتون وكروم العنب والتين.. كلّ القصائد هي وكلّ الأغنيات، حيث تداعب المعابد كلّ الغيمات وتعد دوماً بعاصفة أخرى.. وحيث الحياة ملحمة يوميّة تطرّز بكوفيّة الصمود وبلون دماء أبنائها الذين وهبوا حياتهم من أجلها.. مدينة تُغتصب كل يوم من طرف الاحتلال الصهيوني، لكنّها تخترع كل يوم قصيدة وترسم نفسها في حضن لوحات جديدة.

لئن كان شعراء كبار من قبيل سميح القاسم ومحمود درويش ونزار قبّاني.. قد عبّروا بالكلمة الحرّة عن القدس كرمزيّة عميقة لنضال شعب تُغتصب أرضه ويُهجّر أطفاله ونساؤه وشيوخه، فإنّ الرسّامين قد اتّخذوا من لغة الألوان والأشكال ورشة تعبيرية لاختراع القدس كلّ يوم في حلّة جديدة تحصينا لها من أيادي الغدر الصهيونية، وتخليداً للمدينة في ذاكرة المستقبل. فالفنّ التشكيلي ههنا يتكفّل بكتابة تاريخ الصمت والمعاني المهجّرة في كهوف الألم البعيدة الغور.. وبذلك يقع اختراع مدوّنة بصريّة تجعل القدس عاصمة للذاكرة العميقة وللمعابد القديمة ولأطفال المستقبل في آن معاً.

ولقد ساهم في إنجاز هذه الترسانة التشكيلية التي تؤرّخ لما لم تستطع كلمات الشاعر أو المسرحي أو الأديب أن تلتقطها، أسماء لرسّامين فلسطينيين عديدة كرّسوا حياتهم لحمل القضيّة فنّياً وتشكيلياً من أجل تسجيلها في الضمير العميق للإنسانية قاطبة. ومن أهمّ الرسّامين الفلسطينيين الذين لم ينفكّوا بريشاتهم وألوانهم عن تمثيل القضيّة والتعبير عن صمود شعب الجبّارين نشير إلى إسماعيل شمّوط رائد الفنّ التشكيلي الفلسطيني وسليمان منصور ونبيل عناني وعصام بدر، والرسّامات: تمّام الأكحل وجمانة الحسيني.

هذا المقال سيكتفي بالوقوف عند بعض اللوحات النموذجية التي جعلت من مدينة القدس تحديداً موضوعة تشكيلية مباشرة.. وقد اخترنا التعريف بالقدس جماليّاً من خلال لوحات تمنح للحضور الرمزي لصورة المرأة الفلسطينية منزلة خاصّة.. وهذه اللوحات هي:«إرادة الحياة أقوى منّي» لإسماعيل شموط، و«القدس في القلب» لسليمان منصور و«عناق الأمّ» لنبيل عناني. وتشترك هذه اللوحات في الاعتماد على المرأة كموضوعة تشكيلية رئيسية بوصفها مفردة جمالية وسيميوطيقية من أجل التعبير عن جمالية مدينة القدس ورمزيّتها الروحية والإنسانية العميقة.

«إرادة الحياة أقوى منّي» ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا