• السبت 08 ذي القعدة 1439هـ - 21 يوليو 2018م

وطأة التاريخ والجغرافيا في علاقة الفاتيكان وإسرائيل

العهود السائلة..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 يناير 2018

عز الدين عناية

منذ إعلان البابا بيوس العاشر، في مطلع عام 1904، موقفه الصريح أمام مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، بشأن رفض الكنيسة الصارم والحاسم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، جرت في النهر مياه كثيرة بين الكاثوليك وبين اليهود.

يورد تيودور هرتزل في «الجورنال» (1895 1904)، طبعة باريس، ص: 373-377، حيثيات ما دار بينه وبين بيوس العاشر أثناء ذلك اللقاء. أنه لما عرض على البابا مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والتمس منه مدّ يد العون للحركة الصهيونية في ذلك، ردّ البابا قائلاً: «لا نستطيع دعم هذه الحركة، كما لن نَحول دون ما يصبو إليه اليهود في التوجه صوب بيت المقدس. لأن أرض القدس، وإن لم تكن مقدسة فقد غدت مقدسة بعيش المسيح فيها. وبصفتي حَبْر الكنيسة الأعظم، لا أستطيع التصريح بشيء آخر سوى أن اليهود لم يعترفوا بالسيد المسيح، لذلك ليس بوسعنا الاعتراف بالشعب اليهودي».

الجلي أن موقف البابا بيوس العاشر الحاسم، كان مستنداً إلى مرجعية لاهوتية راسخة. فعلى مدى قرون أنتجت الكنيسة الكاثوليكية سرديّتَها الخاصة بشأن اليهود وفلسطين وبيت المقدس. انبنت فيها العلاقة بالتراث الكتابي على دعامتين اثنتين: جاءت الأولى في مستوى تبنّي العهد القديم، وهو ما أردفته بتأويلية جعلت من السيد المسيح الوريث الشرعي للكلمة الإلهية، ومن هذا الباب تكثّف عملُ الآلة التأويلية المسيحية لاحتكار الرأسمال الرمزي لذلك المخزون الكتابي، وفي مستوى ثانٍ الانجذاب الدائم نحو الأرض المقدّسة بوصفها فضاء احتضن التجربة الوجودية للمسيح المخلص. سيما أن بيت المقدس فضاء يختزل أسرار المسيحية إبان معاش المسيح، مروراً برحيله وإلى حين عودته، فقد ميّز المسيحية انجذاب، على مدى قرون، نحو بيت المقدس بما خلّف صراعات دامية مع «المحمديين» كما كان يطلق على الخصوم المسلمين، ولكن عبر ذلك التاريخ الطافح بالصراعات والعهود، كانت بيت المقدس في معظم العصور، وإلى غاية تواري سلطان الدولة العثمانية، مصراً من أمصار المسلمين. حتى وإن تُركت رعاية البقاع المقدسة المسيحية، منذ العام 1333 الميلادي، للفرنسيسكان، باعتبار ذلك شأناً روحياً يخصّ النصارى، تنازل عنه المسلمون طوعاً، ضمن ما كان يعرف في التعبير اللاهوتي بتراتيب بيت المقدس في أرض الكفّار «in partibus infidelium»، أي في أرض المسلمين.

بين التاريخ والجغرافيا

صحيح أن المسيحية الغربية عازتها القبضة السياسية على بيت المقدس، رغم تلهفها على ذلك، فإن الأمر لا يعني فتور علاقتها الروحية بمهد المسيح، بل بقيت الصلة حميمة متوقدة على مدى قرون. وإلى حين خضوع فلسطين لسلطان الدولة العثمانية، تواصل توافد الفرنجة على الأراضي المقدسة. فمنهم من اختار الحج العابر ومنهم من اختار الإقامة الدائمة في بيت المقدس تزهّداً وأملاً في لقاء الرب في الأرض التي خطا فيها المخلّص خطوه، بل وزاد المسعى في المسيحية الأوروبية مع العصور الحديثة بإنشاء ممثليات في بيت المقدس تابعة للكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية والأرمينية أيضاً، وما تطور لاحقاً بإنشاء نواتات بحث في الآثار التوراتية والإنجيلية والتراث الكتابي بوجه عام. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا