• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

خبز وورد

مناورة الرواية والشعر

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 28 يونيو 2014

مريم جمعة فرج

من أطرف ما يقال عن الرواية اليوم أنها بدأت تمارس لعبة خطيرة هي السطو على الشعر، وأن النقاد ملتمون بالصمت ولا يعيرون ما يحدث اهتماما، فلا يهب النقاد إلى نجدة الشعر ولا يهب القراء إلى السؤال عن إصداراته الجديدة. ونحن بدورنا كقراء نتفق ونختلف مع هذا الرأي فيما نراه نسبيا، فالحقيقة أننا لم نعد نحتفي بالشعر كما كان وهو لساننا، ولم تعد كلمة ديوان تهز مشاعرنا لكي نتسابق على قراءة إصدار شعري ينعش أرواحنا. لم نعد كما كنا أيام الشعر الجاهلي والعصور الإسلامية وشعر المهجر والسياب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور وأنسي الحاج ومحمد الماغوط ومحمود درويش إلخ..

صحيح أن الرواية بدأت «تتشعرن» لكن هذا لم يخرجها من إطارها لتصبح شعرا، وربما وفي الكثير من الأعمال التي تعتبر جيدة يضاف ذلك إلى عناصر جمالية ولغوية ذات علاقة بالإبداع. هذا كله لم يؤثر في الرواية المسكينة كما أثرت فيها أشياء أخرى كالتكنولوجيا مثلا. وفيما يتناقله بعض ظرفاء النقاد عن ذلك القول بأن نبوءة موت الرواية على يد التكنولوجيا المتطورة قد حانت، بعد ظهورها سنة 1965 أي قبل أكثر من نصف قرن! وبما أننا نعايش الآن الجيل الثالث من التطور التكنولوجي فهي على «قولهم» تمر بحالة احتضار، وبالتالي لا وقت لديها لمناورة أي نوع آخر.

والحقيقة أن الشعر والرواية والقصة والمسرح وكل أشكال الفن والأدب، إن لم تكن الثقافة، كلها تعيش في زمن تتسارع فيه المتغيرات. مجتمعاتنا الإنسانية، حياتنا تغيرت عما كانت عليه على الأقل في الخمسينيات والستينيات وحتى أوائل التسعينيات، حين كانت مدارس شعرية جديدة تظهر بين فينة وأخرى وكان باستطاعة شاعر مثل محمود درويش أن يجيش الشارع العربي بحداثته. والحقيقة أن إنساننا العربي لم تعد تلك مشاعره في زمن يصحو فيه على الخوف على مصيره في اليوم التالي، فيما هو محاصر ولو بمشاهدة الصراع السياسي والعسكري والموت المجاني على شاشة التلفزيون، إن لم يكن في قلب هذه الأحداث وبالتالي فإن الشعر لايمثل غواية بالنسبة له.

وليس بعيدا عن هذا المشهد الكارثي ما يقوله أحد الروائيين في الغرب عن الرواية: «إن الرواية الجادة الطويلة يجب أن تقسم إلى قطع صغيرة مثل وجبات الطعام الخفيفة لكي يتناسب العرض مع الطلب الذي تحدده شهية القارئ العصري». إن الغواية التي يمثلها البريد والمواقع الإلكترونية والتواصل الإجتماعي و»السكايب» وما تتميز به من التحديث المتواصل الذي يصلك وأنت في مكانك، تجعل كل دقيقة من القراءة الجادة أكثر صعوبة. كما تجعل قلة من الناس يقبلون على القراءة التقليدية في ظل تغير طبيعة عملية النشر ذاتها، وتحولها من الرواية الجادة إلى الرواية «السندوتشية».

نوع من التفاؤل يجده الإنسان في هذا التعليق على مستقبل الرواية ومثلها الشعر، وهو بالطبع يناسب حالتهم في الغرب وقد لاينسجم مع حالتنا في العالم العربي، حيث لم نعد نفرق بين إيجابيات التكنولوجيا وسلبياتها مكتفيين في تذوقنا للشعر بكلمات الأغاني السريعة ذات الموسيقى الراقصة الممتعة، ولا تفكير في الحاضر ولاتفكر في الماضي، كل ما هنالك هو اللحظة الراهنة التي لاتحتمل شيئا آخر في لحظة انعدام الاستقرار النفسي.

m_juma@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا