• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

مالي.. عودة «الجهاديين» الرُّحّل

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 13 يونيو 2015

آنا بادكين *

في أوائل القرن الـ19، ظهر عالم وشاعر ورجل دين فلاني (الفلان، شعب مسلم يقطن غرب أفريقيا) يدعى «عثمان دان فوديو» وأسس واحدة من أوائل حركات الجهاد في غرب أفريقيا. وقد تولى دان فوديو وأتباعه، على ظهور الإبل والخيل، نشر دين الإسلام إلى مناطق السافانا الريفية الأفريقية التي كانت في معظمها وثنية.

وفي سهول الفيضانات في دلتا نهر النيجر الداخلية، فيما يعرف الآن بوسط جمهورية مالي، تولى أحد تلاميذ دان فوديو، وهو يتيم فلاني يدعى «أحمد بن محمد بوبو بن أبي بكر بن سعيد فلاني لوبو» قيادة المد المسلم وأسس إمبراطورية «ماسينا» الدينية.

والفلانيون في العصر الحديث يتذكرونه ويقدسونه بلقبه المحلي «سيكو أمادو -شيخ أحمدو». وقد امتدت إمبراطوريته من مدينة تومبكتو إلى مدينة سيغو على ضفاف نهر النيجر واستمرت 44 عاماً. وقبل تأسيس العاصمة في «حمدالاي» -وهي بلدة صغيرة منعزلة يترجم اسمها «الحمد لله»- تمركز «سيكو أحمد» على مشارف مدينة «جنّي»، التي تعد مركزاً تجارياً ودينياً، لتنقية عقيدة رعاياه مما اعتبره أعرافاً فاسدة. وفي هذا الإطار، حظر التبغ والكحول والموسيقى والرقص. كما قام أيضاً بتنظيم استخدام الأراضي، ووضع الجداول الزمنية الموسمية التي توزع المراعي والأنهار بين الصيادين والتجار والمزارعين والرعاة الفلانيين الرحل بموجب نظام إقطاعي تفضيلي يسمى ببساطة «دينا: العقيدة الإسلامية». وكان سيكو أمادو يفضل القائمين على تربية الماشية، الذين حققوا ازدهاراً في زمنه.

وتشهد مالي حرارة متزايدة وجفافاً تدريجياً منذ ستينيات القرن الـ20، كما أن موجات الجفاف الدورية التي كانت أحياناً تعصف بساحل «سيكو أمادو» أصبحت الآن جفافاً قاتلاً. ويساعد التوسع في المزارع على تدمير ما تبقى من مراعٍ. ولم يسمع رعاة الماشية والبقر هنا من قبل عن التغير المناخي، ولكنهم يستطيعون وصف أعراضه بدقة. فهم يعيشون هذه الأعراض يومياً. وبالإمكان ترجمة المناخ الأكثر حرارة وجفافاً ومواسم الأمطار غير المتوقعة إلى واقع صعب بمراعٍ متدهورة وأبقار جوعى وحليب أقل.

ويتنبأ بعض الخبراء هذا العام بحدوث جفاف مدمر آخر. وفي الوقت نفسه، فإن رحى العنف والتطرف تدور في الخلفية أيضاً، وبعض الفلانيين ينضمون إليه. والصلة بين استنزاف الموارد الطبيعية والعنف المسلح هنا تمت الإشارة إليها من قبل كثيرين -من محللين في مركز المناخ والأمن، إلى الرئيس أوباما مؤخراً. وهذه الصلة واضحة وجلية في مالي بشكل خاص. لقد ذهب زمن «سيكو أمادو» منذ فترة طويلة، والفلانيون اليوم لا يجدون حماية لأنفسهم أو لماشيتهم. ومثل معظم الحكومات في منطقة الساحل الأفريقي، فإن حكومة مالي قد تفضل السكان المستقرين وترتاب في الرُّحَل، الذين يواصلون بعناد الدفع بقطعانهم الهزيلة المتضائلة إلى أماكن جافة، لا يجدون العلف ويشعرون بأنهم مهمشون. ولكي تفهم لماذا يذهب بعض رعاة الأبقار إلى العنف، انظر ببساطة إلى الأرض المقفرة من حولهم. وفي عام 2012، اقتحم جيل جديد من «الجهاديين» شمال مالي في شاحنات صغيرة مسروقة ومملوءة بالأسلحة المنهوبة من مخابئ مهجورة للديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي. وكان معظم هؤلاء من الطوارق، علاوة على وجود بعض العرب والفلانيين أيضاً.

وإلى أن أجبرهم التحالف الذي تقوده فرنسا بمساعدة الولايات المتحدة على الهروب إلى الصحراء، كانوا يجوسون برايات تنظيم «القاعدة» السوداء حول مدينة تمبكتو. وقاموا بهدم الأضرحة! وأقاموا لفترة وجيزة «دولة» مزعومة أسموها «أزواد». ومن بينهم كان الداعية الفلاني «أمادو كوفا»، الذي جمع يوماً ما المصلين بأعداد لم يستوعبها حتى المسجد الكبير في «جني»، وكانت مهمته، وفقا لموقع الأخبار «مالي ويب» هي «إعادة بناء مملكة ماسينا الإسلامية الفلانية». وقد دعا «كوفا» تلاميذه من الرعاة الرحل للانضمام إلى «الجهاد»، واستجاب له عدد منهم! ومنذ بداية 2015، ظهرت منظمة «جهادية» أخرى جديدة تطلق على نفسها اسم «حركة تحرير ماسينا» وتهدد مناطق وسط مالي. وقيل إن أعضاءها من الفلانيين.

وفي حين أن الحكومة المالية وبعض الجماعات المتمردة في الشمال تندفع نحو مظهر من مظاهر السلام، إلا أنها تشن هجمات على منطقة دلتا النيجر الداخلية، وبذلك تتحول المسارات التقليدية للرحل إلى أحدث الخطوط الأمامية من الحرب العالمية على الإرهاب. وقد ذكرت منظمة حقوقية أن أعضاء الحركة قاموا حتى الآن بإعدام خمسة رجال لاعتقادهم بأنهم يتعاونون مع الجيش المالي، علاوة على حرق بعض الأبنية الحكومية وإسقاط برج للاتصالات. كما حذروا المدنيين بضرورة البقاء بعيداً عن الحكومة والأمم المتحدة والقوات الفرنسية.

* محررة في لوس أنجلوس تايمز

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا