• الأربعاء 06 شوال 1439هـ - 20 يونيو 2018م

مستنبتة في الأرض لكنّها عالقة في الخيال

بين فكَّيْ التّاريخ واليوتوبيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 يناير 2018

د. المعزّ الوهايبي

لا يتعلّق الأمر بكيف نكتب عن القدس؛ بل بكيف نكتب القدس؛ ذلك أنّها لم تكفّ عن أن تكون نصّاً مفتوحاً يكتبه باستمرار المختصمون فيها. وقد لا نحتاج، نحن العرب، إلى التّذكير بحقيقتها التّاريخيّة والجغرافيّة، وإنّما نحتاج إلى إعادة كتابة سرديّة وشعريّة للقدس مضادّتين للرّواية الإسرائيليّة المختلَقَة.

لا يتعلّق الأمر، إذن، بكتابة تاريخ القدس، بل بكتابة تاريخ يوتوبيا هذه المدينة حتّى نقف على رمزيّتها لا فقط بالنّسبة إلى أصحاب الحقّ فيها والذين طوّحت بهم لعبة السّياسة الدّوليّة بعيداً عنها فانكفؤوا إلى ضرب من الحنين إليها طوباويّ؛ وإنّما بالنّسبة إلى أولئك الذين وفدوا إليها من كلّ أصقاع الدّنيا، من أعراق وأجناس متنوّعة، في خلط مقصود بين الدّين والقوميّة (تحويل اليهوديّة وهي ديانة إلى قوميّة عرقيّة).

إن تاريخ تخييل المدينة هو غير تاريخها المادّي والكرونولوجيّ؛ لكنّه في المحصّلة جزء لا يتجزّأ من تاريخها العامّ. ذلك أنّ التّاريخ ولئن كان يتقصّى عن الحقيقة بما هي معطى قبْليّ apriorique فإنّه يقيم المعنى بما هو معطى بَعْديّ postérieur. أمّا الحقيقة ففي ذمّة الوثائق والحفريّات وأمّا المعنى ففي ذمّة المشاعر والرّموز التي تحدثها المدينة لدى المعتزّ بها انتساباً إليها أو تعلّقاً بها أو اغتصاباً لها. ولذلك، فإنّ كتابة تاريخ يوتوبيا المدينة لا يكتفي، في واقع الأمر، باستنطاق كتب التاريخ والأخبار وإنّما بتأويل المدوّنة الأدبيّة والفنّية (سرداً وشعراً وتشكيلاً...) التي تدور حول المدينة المقدّسة.

لكن لماذا نحتاج إلى أن نكتب تاريخ اليوتوبيا (أو تدقيق اليوتوبيات) المَقدسيّة؟ بالرّجوع إلى بعض دلالات اليوتوبيا منذ توماس مور Thomas More، في بدايات القرن السّادس عشر، الذي يعرّفها، في صياغة أدبيّة، على أنّها فكرة عن نظام اجتماعيّ جديد تكتنفه حياة مثاليّة نتبيّن أنّ اليوتوبيا نمط تفكير سياسيّ يتكفّل بكتابته «جنس» أدبيّ جديد. فمن بين دلالاتها الاعتراض على الواقع وإنكاره؛ فضلاً عن كونها تعني الإنسان غير الرّاضي بالواقع فيلتجئ إلى حلم بعيد لا يمكن أن يتحقّق إلاّ في عالَم خياليّ بحيث يكون هذا الإنسان سيّد نفسه. نعني باليوتوبيا الأصل الاشتقاقي اليونانيّ (اللاّمكان)؛ ومن هنا تُنسج الأواصر بين اليوتوبيا والإيديولوجيا بما تعنيه هذه الأخيرة من شطط العنف. وإلى ذلك، فإنّ اليوتوبيا (بحسب الاشتقاق الإغريقي، هي: اللاّ-مكان) لفظ مزدوج الدّلالة؛ فهو يحيل إلى نوع من التّذبذب بين الممكن والمستحيل، الوعي واللاّوعي، بين الواقع المشوّه والخيال المكتمل، بين عالَم مادّي سيّئ وعالَم مثاليّ فاضل.

يوتوبيا مقدسية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا