• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

اسمه اقترن بفرويد ودوستويفسكي وروايته «كوكورو» توازي «الجريمة والعقاب»

سوسِكي.. آلام الحداثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 يونيو 2014

علي كنعان

كتب “ناتسوميه سوسِكي” رائعته الروائية كوكورو ــ Kokoro في 1914، قبل وفاته بسنتين، وقد رحل مبكرا وهو في التاسعة والأربعين من عمره. اسمه الشخصي “كِنُّوسُكِه”، وأول مقطع في اسمه “كِنْ” معناه “ذهب”، ويقال إن الذهب لديهم طلسم لدفع الشر عن الطفل. لكن الكاتب تخلى عن اسمه الذهبي واختار من الصينية اسم “سوسِكي” ومعناه: عنيد، غريب الأطوار. ويعد هذا الكاتب بلا جدال رائد الرواية اليابانية الحديثة، حتى إن معظم النقاد والباحثين يعتبرونه أعظم روائي ياباني في القرن العشرين، وله مكانة مرموقة جدا في اليابان كلها إلى درجة أن صورته ظلت عشرين سنة مطبوعة على العملة الورقية اليابانية من ذات الألف ين، تتداولها ملايين الأيدي كل يوم، بدءا من سنة 1984 حتى 2004. ومرة سألت أحد طلاب الجامعة، إن كان قرأ روايات سوسِكي كلها.. فأجابني باستغراب: “ألا ترى أني ياباني؟!”

ولد كِنّوسُكِه سنة 1867 في مدينة (إيدو) التي تحول اسمها في السنة التالية إلى طوكيو، مع مجيء الإمبراطور ميجي، رائد النهضة الحديثة في اليابان وانفتاحها على العالم. من سوء الطالع، أن هذا الطفل جاء متأخرا، إذ كان والده في الثالثة والخمسين وأمه قد تجاوزت الأربعين. والتقاليد الاجتماعية تعتبر الإنجاب أمرا شائنا في تلك السن المتأخرة. ولكي يتخلص الوالدان من تلك “الوصمة” المخجلة، دفعا بالرضيع إلى إحدى عائلات القرية لتتبناه، فكان يترك أمام الكوخ جائعا يبكي والوالدان المفترضان مشغولان في الحقل. ومرت أخته به يوما فأشفقت عليه وأعادته إلى بيت الأهل، لكنهم سرعان ما تخلوا عنه لأسرة أخرى تتبناه. وهكذا عاش بين الثانية والتاسعة في رعاية الأسرة الجديدة، ودخل المدرسة ليتابع دروسه بجد استثنائي. لكن سوء الطالع لاحقه لأن الوالدين الجديدين انفصلا، وأعيد الصبي إلى أهله، فتصور أن والديه الحقيقيين هما جداه، وهما يتركانه ينام في غرفة مستقلة عنهما وعن إخوته الكبار. وقد انعكست هذه الطفولة المضطربة على نفسيته وتركت أثرها السلبي البالغ في حياته كلها، سلوكا وإبداعا. ويقول في مذكراته إنه صحا في إحدى الليالي فجأة على صوت يناديه، أرعبه الشبح فظل ساكتا، ثم تبين له أنها الخادمة، وقد راحت تخبره همسا أنه في بيت والديه، وليس بيت جديه، ويقول إنه شعر بسرور لصدق الخادمة وثقتها به أكثر من معرفته بالحقيقة.

نظير دوستويفسكي

لا يزيد عمر سوسِكي الإبداعي عن عشر سنين إلا قليلا، لكنه استطاع خلال هذه السنوات القليلة أن يترك ثروة أدبية متميزة جعلت اسمه يقترن بأكبر الأسماء العالمية في مجال الإبداع، أمثال: ديستويفسكي وشكسبير. وقد ظل اسمه في طليعة النخبة الأولى من المبدعين طوال القرن العشرين. وفي العام 1968 جرى استطلاع بين خريجي أربع جامعات يابانية حول أهم الروايات اليابانية في إطارها العالمي، فكانت رواية “كوكورو” في المرتبة التالية لرواية ديستويفسكي “الجريمة والعقاب”.

وفي مطلع القرن العشرين أرسلته الحكومة في بعثة دراسية إلى إنجلترا، فلم ينسجم مع الجو الأكاديمي، وكان عزاؤه الوحيد أن يغرق نفسه في القراءة وسعة الاطلاع. كانت هذه التجربة، رغم قسوتها، نقطة انعطاف هامة في حياته. فقد عاد من إنجلترا بعد ثلاث سنوات ليعمل أستاذا للأدب الإنجليزي في الجامعة، لكنه لم يحتمل طويلا هذا العمل، فتفرغ للكتابة في الصحافة اليومية، بدءا من عام 1907، وكان ديستويفسكي قدوته في ذلك. وقبل مرحلة التفرغ كان قد أصدر عملين روائيين، أولهما يعد من الهجائيات الساخرة في الأدب الياباني وعنوانه “أنا قِط”، والثاني “المعلم الصغير” المترجم إلى الإنكليزية بعنوانه الياباني “بوتشان” وهو اللقب الساخر الذي أطلقته الخادمة عليه. والعملان ينهلان من تجربته الخاصة في التدريس. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف