• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

«الأسرار» المعتمد الأكبر لها

طروادة وفتنة السرد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 نوفمبر 2016

حنا عبود

فتنة السرد في رواية ما بعد الحداثة

نعتبر السرد في رواية ما بعد الحداثة عودة إلى السرد الذي استخدمه هومر في الملحمتين الخالدتين، الإلياذة والأوديسة، كما استخدمه غيره مما وصلنا من الأدب اليوناني، فلو نظرنا في صناعة السرد اليوم لوجدنا أنها تقوم على «الأسرار»، سواء أكانت هذه الأسرار واقعية بالكامل، كما في رواية «شيفرة دافنشي» أو بقية روايات دان براون، أو كانت أسراراً غير واقعية، ولنقل خفية كل الخفاء، كما في رواية «العطر» لزوسكيند، أو أي منتج لروايات ما بعد الحداثة، وحاولنا أن نعثر على رواية واحدة من الرواية التي استحوذت على ألباب القراء لا تقوم على الأسرار، فلم نجد. ونعتقد أن المكانة الرفيعة التي احتلها الفن الروائي في هذه الأيام تعود إلى هذه الناحية، وعندما نقول الأسرار، لا نعني أن كل كاتب يتبع نسقاً مشتركاً مع غيره، فالأسرار كثيرة من جهة وأنواعها متعددة من جهة ثانية، قد تقترب من الأحاجي وقد تدخل في الألغاز، وقد تنكشف في النهاية، وربما لا تنكشف أبداً. إن العزف على وتر الأسرار هو النغمة السائدة في الإيقاع السردي لرواية ما بعد الحداثة. من الطبيعي أن تكون هناك مجالات واسعة أمام الكاتب اليوم، بعد هذا التقدم الهائل في الميدان المادي والتعقيد السكاني، مختلفة عن مجالات الكاتب القديم، الذي كان مقتنعاً أنه لا توجد أسرار خارج الميثولوجيا، فاعتمدها مصدراً لكتابته. اليوم عاد الكاتب إلى الأسرار عن طريق العلم، ولكن القارئ لا يهمه أي طريق يسلك الكاتب، المهم أن يجد للكتابة لذة تسيطر على مشاعره وأحاسيسه، وتجعله متفاعلاً مع ما يقرأ. لم يعد للمنبع الاجتماعي لبلزاك وزولا وفلوبير وجي دي موباسان ذاك التأثير الذي يستغل العلاقة الاجتماعية، في سرد ما بعد الحداثة. هذا المنبع خفّ إلى درجة بعيدة، وصارت «الأسرار» بكل أنواعها المعتمد الأكبر لفتنة السرد.

وقد وجدنا كلمة فتنة مناسبة للعمل السردي كل الملاءمة، ويقابلها باللغات الأوروبية fascination تماماً، والمقصود بها أكثر مما تعنيه كلمة التشويق بكثير، ففن السرد الآسر لا يجعل القارئ يترقب فقط، بل يدفعه إلى المشاركة في ترتيب المخارج، والقبض على الحتمي والتصادفي وما يربطهما... الخ. فإذا اعتبرنا «هومر» من الأدباء فقط، قلنا إن رواية ما بعد الحداثة لم تعد إلى الفلاسفة اليونانيين الأوائل وحدهم، بل عادت أيضاً إلى الأدباء اليونانيين الأوائل. ومن الجانبين يمكن القول إن رواية ما بعد الحداثة تصنع «ميثولوجيا» خاصة بها، ربما يكون اسم «فتنة السرد» أنسب لهذا المرتكز الأدبي المشترك، عراقة وحداثة.

طروادة نمط أوَّلي

نشأ أدب الغرب من قصة طروادة. نظم هومر فيها ملحمتين ضخمتين، الإلياذة والأوديسة. الأولى قبل سقوطها والثانية بعد سقوطها. الأولى بريّة والثانية بحرية، ومن هاتين الملحمتين ظهر الأدب اليوناني وتطور، وعلى هذا الأدب اعتمد الأدب الغربي كله، وقد جمع فرجيل في ملحمته «الإنياذة» كلاً من المزايا البريّة والبحرية، فقسمها الأول بحري والثاني بري، ومنذ ذلك الوقت والغرب يستلهم في أدبه السردي هذه البداية العظيمة، ولم يبقَ كاتب إلا استفاد من طروادة، أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس... كتب نثرية كثيرة «دمار طروادة» «اختطاف هيلين» «وصف اليونان»... إلخ. وشخصيات قصة طروادة أمثال أجاممنون وإفيجينا وأورست وكليتمنسترا وكاسندرا وبريام وهيكابي وبنيلوبي وأوديسيوس الإيثاكي وممنون الأثيوبي وبنتيسيليا ملكة الأمازونات، وأخيل وهكتور وإينياس... إلخ. شخصيات ملهمة، ويعود إليها النقاد في كثير من مواقفهم. أما الحرب الجوية، فتأخرت حتى القرن العشرين، ولم نسمع بحرب النجوم إلا من الرئيس الأميركي ريجان. وتحتل المعارك الفضائية اليوم المساحة الأكبر من فن السرد المكتوب والمنظور. أما الرومانس فعلى هذا النوع انتظار ظهور الإسكندر، وحروبه العالمية حتى يزدهر ازدهاراً شاملاً، وإن كانت أوروبا الحاضنة الكبرى له. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف