• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

عشيق بلسانين يحيا بين غربة الكاتب وغرابة الكتابة

بلاغة النزيف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يونيو 2015

د. محمد الشيكر

يرى بنعبد العالي أن ثلة مائزة من الكتاب والمفكرين لم يسلخوا ما سلخوا من حيواتهم وأعمارهم، ولم يُحبِّروا ما حبَّروا من جُماع أفكارهم وأنظارهم إلا في مقامات العبور، ولم يضطلعوا بهذه المقامات كأحوال عارضة وعابرة، بل دأبوا أن «يقيموا في العبور» وأن يَحلُّوا في برزخ اللغات، وفي الحدود الواصلة الفاصلة بين الأرومات والهويات والثقافات.

والخطيبي، في تقديرنا، واحد من بين أفراد ذلك اللفيف الفكري المائز الذي يضم صفوة من الكتاب العابرين بين اللغات والثقافات، ولا نحسبه في هذه المنقبة أقل منزلة من هولدرلين أو بيكت أو سواهما، لسبب بسيط هو أنه خبر بدوره المقام في إقامات العبور وفي خطوط اللَّيْمَس الهاربة، بل نظَّر له ضمن ما نظَّر ودبَّج فيه صفحات شائقات فائقات. يقول عبدالكبير الخطيبي في كتابه «عشق بلسانين»: «إنني كينونة تتوسط بين لسانين»، ويقرُّ أنه لم يشعر أبدا بمنزع يشدُّه إلى لغة مخصوصة أو ينزله في سرادق لغوي بعينه. ولئن كان هايدغر يرى أن اللغة هي مسكن الكائن ومقْدِسُه القدسي، فإن صاحب «الذاكرة الموشومة» كان بخلاف ذلك يرى أنه لا يتنزل في لغة معينة ولا ينتسب إلى أفق ثقافي مخصوص.

لقد وجد عبدالكبير الخطيبي نفسه شأنه في ذلك شأن جُماع من الكتاب الذين درجوا بين لسانيين أو أكثر، متراوحاً بين أفقين أنطولوجيين متباينين. ولم يكن يرى في ذلك معْيباً أو معْطباً بل قوة غاذية ترفد عالم الكتابة بمرجعيات رمزية وتخييلية فائقة. إن الكتابة في برزخ الألسن وفي حدودها اللزقة تشكل حسب الخطيبي «لجة فردية وطاقة للنسيان»، نسيان الهويات المغلقة وشرنقاتها، والسلفيات الرمادية وانغلاقها.

فكل كاتب فرانكوفوني (أو كتاب بلغة موليير) يعي أكثر من غيره الانشطار الإيجابي والفعال بين جغرافيات بوليفونية شديدة الميوعة والاندلاق. لأن الجغرافية الثقافية الفرانكوفونية هي جغرافية «مزدوجة بل متعددة الألسن، وفي كل منحى من مناحيها نجد آثارا للامتزاج والرطانة Pidgination ولمراتب ومدارج اللغات»، والكاتب العربي الفرانكوفوني يتشظى بين اللسانين العربي والفرنسي ويهيم بهما كلفا وعشقا من غير أن يعقد القران على أحدهما. وحينما يختار الكتابة باللغة الفرنسية لا يلفي فيها لغة أبوية ولا تطالعه بما هي اللغة الأم، لأنها بالنسبة إليه لسان غفل من كل ملمح شخصي. «وهذا الملمح اللاشخصي، يقول عبدالكبير الخطيبي، هو العالم الطوباوي للكاتب». بل إن مشروعية الكتابة في تصوره لا تتحقق ولا تتأسس إلا حين يعانق الكاتب الكتابة بلسان يغدو منفاه وذريعة انسلاخه وانمحائه، ولئن كانت اللغة تعتبر بالجملة أمة nation الكاتب الفرانكوفوني فإن الفرنسية تبدو بالنسبة إليه عابرة لحدود الأمة une trans-nation، لأنها ليست لغة مركزية ولا تعتبر لسان حال دولة بعينها. لقد انتهى كما يقول الخطيبي «وهم وجود مركز، أو إثنية مركزية مولدة للحضارة الفرنسية ومندمجة في مجال ترابي تحت ظل دولة أو إيديولوجية بعينها». إن اللغة الفرنسية تتبدى لمستعمليها من الكتاب غير الفرنسيين ومن الكتاب الذين أنسوا بالازدواجية اللغوية لغة مضيفة أو لغة ضيافة، ليس فيها محاباة ولا مواربة.

وفي هذه اللغة المضيفة لا يستكين إلى ميتافيرقا الهوية والحضور والتطابق، بل لا ينفك عن التلبس بأرومات وهويات أخرى هلامية وشديدة الانمحاء. لأن اللغة الفرنسية وهي تستضيف الكتاب الفرانكوفونيين إلى سرادقها العامر لا تخلع عليهم ميسما واحدا ولا تسبغ عليهم هوية مشتركة أو ترتهنهم في أفق أنثربولوجي بعينه. فالهوية صيرورة وموروث حركي من الآثار والعلامات، وليست جوهرا قائما أو ماهية معطاة. يقول عبدالكبير الخطيبي: «إن الهوية لا تتحدد من خلال بنية أبدية بل تنتظمها علاقات غير متوازية بين الزمان والمكان والثقافة».

الغريب المحترف ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف