• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

يتموضع دائماً «بين ــ بين»

الخطيبي.. بصيغة الجمع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يونيو 2015

عبد السلام بنعبد العالي

ربما يتعذر الحديث عن عبد الكبير الخطيبي و«القبض» عليه. فهو من الكتاب الذين يصعب تصنيفهم. وربما لا يرجع ذلك فحسب لتعدد اهتماماته، وإنما بالأولى للتعدد الذي يطبع كل اهتمام من اهتماماته. فهو يتموقع دائماً «بين ــ بين». وهذه البيْنية تكاد تطبع جميع أعماله. وقد عبر عنها ربما أحسن تعبير في المحاضرة التي كان ألقاها سنة 1978 بكلية الآداب في الرباط، والتي نشرت في مجلة أقلام المغربية، حيث قال: «حقا، يكون المحاضر غربياً وشرقياً في مسألة المغرب. لماذا؟ لأن وجود المغرب هو بين الغرب والشرق، بين المغرب والمشرق، بين التاريخ وما قبل التاريخ، بين الميتافيزيقا وما يناقضها، بين العرب والبربر، بين الدين والسحر، بين القبيلة والإقطاعية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى، بين ــ بين..».

من هنا تلك الدعوة الملحاحة إلى «نقد مزدوج» يضع نفسه بين عدة «تخصصات»، وينهج طرقاً متعددة تجد التعبير عنها في كتابة متنوعة الواجهات تتردد بين النقد السوسيولوجي والبحث السيميولوجي والكتابة الأدبية.

ولعل الوصف الذي يطلقه الخطيبي على الاستراتيجية التي تتبعها أبحاثه خير معبر عن ذلك. فهو يدعو، كما نعلم، إلى «نقد مزدوج» يقوض أسس السيادة ويعيد النظر في أصوله وأسسه. لا تعني الازدواجية هنا أن النقد ينصب على الميتافيزيقا الغربية ثم على نظيرتها الإسلامية. إنه، على العكس من ذلك يتخذ طريقه بين - بين، بين هذه وتلك، وهو، كما يقول «مجابهة بين الميتافيزيقا الغربية والميتافيزيقا الإسلامية». يريد الخطيبي، على غرار جاك دريدا، أن يعيد النظر «في جميع الأزواج التي أقامتها الفلسفة، وتتغذى منها خطاباتنا، لا لكي يرى فيها قضاء على التقابل، وإنما علامة على ضرورة، بحيث يظهر كل طرف من أطراف الزوج كمخالف للآخر، ويبدو على أنه الآخر ذاته في إرجائه»..

فبما نحن عالم ثالث ليس علينا أن نسلك إلا مسلكاً ثالثاً ليس هو مسلك العقل ولا مسلك اللاعقل كما فكر فيهما الغرب، وإنما خلخلة مزدوجة تقول «بفكر متعدد لا يختزل الآخرين، أفراداً وجماعات، ولا يضمهم إلى دائرة اكتفائه الذاتي. إذ إن على الفكر أن يتجنب هذا الاختزال، إذا هو أراد ألا ينظر إلى مجاله الخاص على أنه الكون في مجموعه، ذلك الكون الذي ينخره التباعد، وتتوزعه الهوامش والأسئلة الصامتة». فالمعرفة العربية لا تستطيع أن تتنصل من أسسها اللاهوتية والتيوقراطية إلا بفضل قطيعة لن تكون كذلك ما لم تكن مزدوجة «لتقابل المنظومة المعرفية الغربية بخارجها اللامُفَكَّر فيه، وتعمل، في الوقت ذاته، على تجذير الهامش، ليس فقط عن طريق فكر يستعمل اللغة العربية أداة، وإنما بالاتجاه نحو فكر مغاير، يتكلم عدة لغات، ويصغي لأيّ كلام أنّى كان مصدره». إنه إذن فكر يتسلل إلى الكيانات من فجواتها، ويتخذ «موقعه» على هامشها. من غير أن تعني الازدواجية أن النقد ينصبّ على كل طرف على حدة، إذ إنه يتخذ طريقه، على العكس من ذلك، بين هذه وتلك، إنه مجابهة بين الميتافيزيقتين.

لا ينبغي أن نفهم من هذا «البرنامج» كتابة جديدة لتارخ الفلسفة الغربية ونظيرتها الإسلامية. فالخطيبي لا ينشغل بإعادة النظر في تواريخ الفلسفة، وإنما يرمي إلى تقويض تاريخ الميتافيزيقا بالمعنى الهايدغري للكلمة، أي تاريخ الوجود. وهو تقويض لا يتم من منبر كرسيّ الفلسفة داخل مؤسسة جامعية ووفق القواعد الأكاديمية، وإنما عن طريق عقد «حوار مع أكثر أنواع الفكر والتمرّدات جذرية، تلك الأنواع التي هزّت الغرب وما زالت تهزّه»، وبفضل قراءة سيميولوجية للخط العربي والفن الإسلامي والوشم، ونهج كتابة أدبية تطرق مسألة الشر والحب والتصوّف، واللغة والموت، وصراع الأضداد: هنا يلتقي الخطيبي بالميتافيزيقا وليس في النصوص الكلاسيكية، إنه يلتقي بكل بالموضوعات التي غلفتها الميتافيزيقا بغلافها وقيدتها بقيودها: يلتقي بالمقدس، ليس كموضوع متعال، وإنما كحضور في الفن: «فكثير من الأسئلة المتصلة بالمطلق تتكرر من خلال العلامة الخطية التي تتلألأ فيها تغيرات المقدس عبر تلك الزخارف المتغنية بنشوتها»، يلتقي بمسألة الاختلاف الجنسي حيث تتخذ المرأة موقعها بين الإلهي والبشري، ضمن تدرج المرئي واللامرئي، فهي «مرئي لا مرئي وتحطيم للنظام اللاهوتي»، يلتقي بالتصوف حيث «ينبجس اللامرئي في المرئي ذاته»، يلتقي باللغة، ليس كهوية متوحشة، وإنما في تجربة ازدواجية كمجال لفعل الاختلاف، حيث تتفاعل اللغات ولا ينضاف بعضها إلى بعض، وإنما يحيل إليه ويستدعيه، ويُبقي عليه كخارج»، يلتقي بالمتخيل الإسلامي، لا ليسجنه داخل دائرة العقل، وإنما ليرصد منطقه الخاص، والقوانين المتحكمة فيه، ويلتقي أخيراً بالثقافة الشعبية ليهدم الحاجز بين المكتوب والشفوي، بين الصورة المرسومة والنص، بين الاجتماعي والذهني، فيحرر الجسد من بطانته اللاهوتية، ويعيد النظر فيما رسخته المقاربات الإثنولوجية.

لن ندرك مغزى هذه الاستراتيجية البينية إن نحن بقينا متشبثين بالمفهوم الذي رسخته الميتافيزيقا عن الثنائي وحدة/‏تعدد. فليست علاقة الوحدة بالتعدد في نظر الخطيبي كعلاقة الكل بالأجزاء، وإنما هي كعلاقة الهوية بالاختلاف. آنئذ لن يعود الاختيار مطروحا بين الهوية ونفيها، وإنما بين هوية مفتوحة على إمكانات متعددة، وأخرى محددة تحديدا أزليا. ستغدو الهوية هنا جمعا يقال على المفرد. إنها، على حد قول دولوز، تركيب جغرافي، وليست نشأة تاريخية. نقرأ في «المغرب أفقاً للفكر»: «لنأخذ الإنسان العربي، وعلى وجه الخصوص الإنسان المغربي، فإننا نلاحظ أنه يحمل في أعماقه كل ماضيه قبل الإسلامي والإسلامي والبربري والعربي والغربي. أهم شيء إذن هو ألا نغفل هذه الهوية المتعددة التي تكوّن هذا الكائن. ومن ناحية أخرى، يجب أن نفكر في الوحدة الممكنة بين هذه العناصر جميعاً. إلا أنها وحدة غير لاهوتية تترك لكل عنصر نصيبه من التميّز، وتتيح بالنسبة للمجموع حرية الحركة». غير أن هذا التعدد، كما قلنا، لا يعطى بسهولة، إذ سرعان ما تغلفه الأيديولوجية لتخفي تناقضاته وتملأ فراغاته، وتجعل منه وحدة متطابقة يذوب فيها الاختلاف: «إن اسم «العرب» هو، من جهة، اسم حضارة اكتملت في عنصرها الميتافيزيقي، غير أن هذا «الاكتمال» لا يعني أن هذه الحضارة ماتت وانقضت، بل هي فحسب عاجزة أن تنهض كفكر». لكن لا ينبغي أن ننسى أن هذا الاسم هو من جهة أخرى حرب تسميات وأيديولوجيات توضح التعدد الخلاق للعالم العربي، وهو تعدد من شأن الوحدة اللاهوتية أن تغيّبه، فتحجب الوحدة التعددية التي لا تضم هوامشها الخاصة، وإنما تشمل كذلك تقسيم البلدان العربية، ومنها المغرب، إلى شعوب وطبقات. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف