• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الكتابة مسؤولية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 09 نوفمبر 2016

دائماً ما تكون الفكرة هي المدخل للكتابة، ولكن أيضاً للكتابة تقنياتها التي تتطلب الإحاطة بها، والفكرة ليست كافية لكتابة مقالٍ جيد مثلاً، وما يضيء الكتابة ويجعلها قريبة من القارئ تلك المشاهدات التي لها علاقة بالواقع، مقرونة بإبداع الكاتب وخياله الخصب في جعلها مادة محببة إلى النفوس، ولن يتم كل ذلك ما لم يكن الكاتب صادقاً مع نفسه والعالم الذي يحيط به.

وامتلاك ناصية الكتابة لا يعني التمكن من الموضوع بطريقة جاذبة، فقد تكون الفكرة عظيمة وتستحق الكتابة عنها، ولكن أدوات إيصالها ممعنة في الضحالة والسطحية، لذا المزاوجة بين الفكرة وطريقة إيصالها فنٌّ لا يقدر الكثيرون على استيعابه، وامتلاكه، مهما حشدوا من معرفة، فالفكرة وطريقة عرضها قد يطمس إحداهما الأخرى إذا لم تكونا متلازمتين، وفي حالة انسجام وتناغم.

فعندما نتصفح أي كتاب، قبل التهامه، تتمدد زوايا الرؤية للمواصلة فيه أو عدمها، فقد حكى لي صديق أنه يتصفح الكتاب بطريقة عشوائية، ثم يقرر عندها قراءته أو تجاهله وفق شروط وضعها قائلاً: «إنه ينزعج من رؤية الأخطاء، سواء أكانت في كتابة كلمة أو جملة، وذلك قبل التفكير في المعاني والمضامين سيراً على قاعدة (أن عرض الآراء والأفكار يتطلب أدوات لا بد من امتلاكها قبل الشروع في أي عمل)»، وطبعاً من ضمنها الإلمام بقواعد اللغة، ومعرفة من تخاطب.

إن المعلومة الآن لا تحتاج إلى أي مجهود، فبنقرة زر يتدفق في وجهك سيل من المعلومات، والكاتب الحاذق يمكنه من خلال تدفق المعلومات من التقاط جزئية صغيرة والتطرق إليها بأسلوب شائق وجاذب وتقديمها بتوليد أفكار جديدة وفريدة، حتى مشاهدات الواقع تتطلب حرفية وخيالاً خصباً لفتح آفاق جديدة لإبداع نص مقروء ومهضوم.

بما أن الكتابة موجهة إلى القارئ، فإنها تدخل في علاقة المرسِل والمرسَل إليه من دون نزع قاسم مشترك بينهما هو الواقع المادي الذي يلتقيان فيه، وهنا تصبح العلاقة تبادلية، فالمفردات والتراكيب هي خليط بين موضوعية علمية ولغة عملية، يتدخل بينهما الخيال لينزع الواقع من شروط تكوينه من أجل بناء واقع جديد.

إن ما نكتبه عندما يخرج للملأ لا يصبح ملكاً لنا، ومن هنا، فإن الكلمة مقدسة، لأنها خرجت من فضاء الكاتب إلى كتل بشرية، ويقع على عاتق الكاتب مسؤولية أخلاقية وإبداعية، والكاتب المتمكن من أدواته يعمل دوماً على تحسين شروط حياة الكلمة ويجعلها أكثر جمالاً وذات دلالة وصور تغذي خيال القارئ، وتجعله أكثر معرفة وقدرة على الرؤية والرؤيا، فللكلمة فعل السحر، قد تعقلن مجتمعات أو تذهب بعقلها، وقديماً قيل لكل مقام مقال، ولكل حدث حديث.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا