• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

العرب يتقاتلون لمصلحة الأجنبي، لذلك لا يكون التفاوض إلا بين القوى الأجنبية التي تجند العرب ضد العرب. العرب يتقاتلون والذين جنّدوهم يتفاوضون، وهذا هو السبب في أن القتال عربي- عربي، والتفاوض أجنبي أجنبي في كل صراعات العرب

لا فصائل ولا فضائل.. بل حروب قبائل!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 09 نوفمبر 2016

محمد أبوكريشة*

ضغط اللواء أحمد عسيري المستشار العسكري لوزير الدفاع السعودي المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي في اليمن بقوة على جرح عميق في جسد الأمة العربية حين قال إن منهج إيران هو قتل المواطن العربي بيد مواطن عربي آخر.. وهذا هو بيت القصيد في مآسينا العربية التي لا تبدو لها نهاية. هذا ما نقوله دوماً ولا حياة لمن تنادي. العرب ليسوا صُناع أحداث وأخبار، ولكنهم أدوات لصناعة الأحداث والأخبار.. والعالم العربي هو موقع مصنع الأحداث لكن العاملين في المصنع أجانب وليسوا عرباً.. والعرب مجرد آلات وتروس ومسامير يديرها من ليسوا عرباً. العرب آلات قتل، ولكنهم ليسوا القتلة. وقتل وذبح وضرب العرب بالعرب مأساة قديمة متجددة منذ الفتنة الكبرى إلى سقوط الأندلس، وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

العرب يستهلكون الأخبار والأحداث والمآسي ولا ينتجونها، فهي ثقافة الاستهلاك العربية في كل شيء، في السلع والخدمات والمعلومات والعلم والأخبار والأحداث.. والحق أن قتل العرب بالعرب، وذبح وضرب العرب بالعرب ليس نهج إيران وحدها، ولكنه نهج كل القوى الإقليمية والدولية، الولايات المتحدة، وروسيا، وتركيا وإسرائيل، والشعار دوماً كما رددناه وقلناه من قبل «سنقاتل إلى آخر عربي».

ولكن لماذا؟ والجواب أن آفة القبلية هي التي تعصف بالعرب منذ الجاهلية. فقد كان الغساسنة والمناذرة العرب يتقاتلون لمصلحة ولحساب الفرس والروم. وكانت القبائل العربية تنضوي تحت لواء فارسي أو رومي بعضها ضد بعض. وكل صراعات العرب منذ الفتنة الكبرى وحتى اليوم وحتى الغد صراعات قبلية تحت رايات ولافتات مختلفة. وكانت الفتنة الكبرى في أساسها صراعاً بين بني أمية وبني هاشم.. وعندما انتصر بنو أمية وأقاموا دولتهم على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بدأ بنو هاشم ممثلين في بني العباس حربهم السياسية والعسكرية لإزاحة بني أمية. واستعانوا في ذلك بالفرس حتى قامت دولتهم على أكتاف أبي مسلم الخراساني ومن شايعه.. وبعد استتباب الأمر لبني العباس استعانوا في جيشهم وبلاطهم وكل أعمالهم بالترك والروم.. حتى انقلب هؤلاء على الدولة العباسية وأقاموا دويلاتهم المستقلة مثل الدولة السلجوقية والدولة الساسانية وكل ذلك لا يخفي على أحد. وأدى في نهاية المطاف إلى تمكن الأجانب من حكم وإدارة الأمة العربية مثل المماليك والعثمانيين ثم الاستعمار الأوروبي فيما بعد. وقبل ذلك المغول والصليبيون، ولم يكن الحال في المغرب العربي أفضل منه في المشرق، فقد دارت حروب عربية عربية، استعان فيها كل طرف عربي بطرف أجنبي ضد العربي الآخر حتى سقطت الأندلس.

المسألة إذن قديمة والسيناريو يتكرر بكل مشاهده وتفاصيله. هو نفسه سيناريو المناذرة والغساسنة وسيناريو بني هاشم وبني أمية.. وسيناريو الاستقواء بالأجنبي واستدعائه ليضرب العربي المناوئ أو المعارض. والسبب في ذلك هو علو كعب الثقافة القبلية على الثقافة الوطنية، أو فكرة الأمة الواحدة.. بمعنى أن القبيلة أكبر من الأمة وأعلى من الوطن.. وهكذا فرق العرب دينهم وكانوا شيعاً. كل حزب بما لديهم فرحون، وهذه التفرقة جاءت من الثقافة القبلية التي استمرت معنا حتى اليوم رغم اختلاف اللافتات التي يتم رفعها، وكل ما في الأمر أن القبلية التي كانت عرقية تحولت إلى قبلية دينية ومذهبية وفكرية وسياسية، فالدين يُدار بمنطق القبيلة، وكما كان لكل قبيلة أو عدة قبائل في الجاهلية صنم. أصبح لكل قبيلة أو مجموعة قبائل الآن مذهب أو حزب أو فكر أو نهج أو حتى دين مغاير. فالأصنام الحجرية في الجاهلية تحولت إلى أصنام فكرية أو سياسية أو مذهبية أو آدمية الآن.

وآفة القبلية بكل ألوانها، هي المسؤولة عن أن الحروب والصراعات في أُمّة العرب لا نهاية لها، لأنها حروب وصراعات قبائل تحت لافتات فكرية أو دينية.. وآفة القبلية، هي التي تيسر رذيلة الاستقواء بالأجنبي ضد العربي. واستعانة العربي بالأجنبي لقتل العربي الآخر، وهي المسؤولة أيضاً عن أن المعارضة التي تواجه نظاماً واحداً مثل النظام السوري أصبحت أو تحولت إلى فصائل. ولا يوجد أي تفسير لتحول معارضة ضد نظام واحد إلى فصائل سوى أنها قبائل لا فصائل والفصائل هو الاسم الحديث للقبائل. وهذه الفصائل في كل بلد عربي لديها أجنداتها المختلفة ولو كان الوطن هو الأجندة ما رأينا فصائل ولا قبائل، لكن الوطن والأمة والتحرر والثورة والمعارضة والعلمانية والمذهبية والطائفية ووصف «الإسلامية» الذي يضاف إلى كل جماعة أو منظمة إرهابية. كلها كلمات حق يُراد بها باطل، تماماً مثل رفع المصاحف على أسنة الرماح في الفتنة الكبرى، فالمسألة ليست سوى قبلية مقيتة وغنائم إذا أعطوا منها رضوا، وإذا لم يعطوا فإذا هم يسخطون.

القبلية، هي المسؤولة -رغم كل لافتاتها- عن تحول حروبنا وصراعاتنا إلى «بسوس» جديدة و«داحس والغبراء» الأخرى وسهولة تجنيدنا بعضنا ضد بعض لمصلحة المخططات الإقليمية والدولية، لذلك لن تجدي طاولة المفاوضات في أي صراع عربي- عربي، لأن العرب يتقاتلون لمصلحة الأجنبي، لذلك لا يكون التفاوض إلا بين القوى الأجنبية التي تجند العرب ضد العرب. العرب يتقاتلون والذين جنّدوهم يتفاوضون، وهذا هو السبب في أن القتال عربي- عربي. والتفاوض أجنبي- أجنبي في كل صراعات العرب، وهذا هو السبب في قول أحدهم بالعراق: إننا ننتقم من أحفاد قتلة الحسين.. فهؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد. فاسألوا عن العبث والرفث، والفسوق، والعصيان. ولا تسألوا عن وطن أو أمة. لا تسألوا عن فضائل وفصائل.. إنها آفة وحروب القبائل.

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا