• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

هل انتهى القرن الآسيوي؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 27 يناير 2017

كثيرة هي الكتابات التي تنبّأت بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن آسيا، تماماً مثلما كان القرن التاسع عشر قرن بريطانيا والقرن العشرون قرن أميركا، وذلك بالنظر إلى الأداء الاقتصادي القوي الذي حققته البلدان الآسيوية بشكل عام على مدى ثلاثة عقود، من 1980 وحتى 2010، مقارنة بنظيراتها في بقية العالم، أداء لم يكن مستديماً فحسب وإنما كان أيضاً ذا قوة وزخم قادرين على تغيير توزيع الثروة عبر العالم. هذا إضافة إلى الزعامة العالمية لدول آسيوية، أو لدولة واحدة على الأقل، في عدد من المجالات الحيوية، مثل الدبلوماسية الدولية، والقوة العسكرية، والتكنولوجيا، والقوة الناعمة.

غير أنه في كتاب «نهاية القرن الآسيوي: الحرب، والركود، والمخاطر بالنسبة للمنطقة الأكثر دينامية في العالم»، يحاجج مايكل أوسلن، أستاذ التاريخ بجامعة يل الأميركية سابقاً والباحث بـ«معهد المشروع الأميركي» في واشنطن حالياً، بأن معظم التنبؤات المتعلقة بآسيا تميل إلى الإغراق في التفاؤل على نحو غير واقعي، ذلك أنه كثيراً ما يقال، مثلاً، إن حرباً بين الصين واليابان مستبعَدة لأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين أكثر عمقاً وتشابكاً من أن تسمح باندلاعها، وإن كوريا الشمالية لن تبادر بتنفيذ ضربة نووية لأن ذلك سيكون بمثابة انتحار لها، وإنه إذا تعثر نمو الصين أو توقف، فإن الهند ستحل محلها، إلخ. والواقع أن «أوسلن» يقر بأنه من الصعب على المرء ألا يصاب بالذهول إزاء المعجزة الاقتصادية التي رفعت مئات الملايين من فقراء العالم الثالث إلى الطبقة الوسطى في ظرف جيل واحد في آسيا، وحوّلت سنغافورة وهونج كونج وشنغهاي إلى مدن تضاهي نيويورك ولندن. كما يعترف بالتحول الاقتصادي اللافت الذي حققته الصين منذ أن تبنّت إصلاحات اقتصادية، واعتمدت عناصر من اقتصاد السوق. غير أنه مع ذلك، يرى أن الصين تظل قوة عظمى «هشة».

صحيح أن هذا البلد يفخر بمليارديرات يفوق عددهم 270، لكنه لم يبلغ بعد وضع البلدان متوسطة الدخل. كما أن اقتصاده مازالت تهيمن عليه شركاتٌ مملوكة للدولة يقال إن معظمها يعاني من انعدام الكفاءة وكثرة الديون وتُتهم بعمليات سرقة بالجملة للملكية الفكرية. وصحيح أيضاً أن السرعة التي تم بها تحديث البلاد مذهلة جداً، لكن إحدى نتائج هذا التقدم كانت أسوء تلوث في العالم، فـ«الظلام الذي يخيّم على المدن الصينية وقت الظهيرة، وآلاف جثث الخنازير الميتة التي تطفو على مياه الأنهر الرئيسية، والأكوام الضخمة من القمامة.. كلها تكشف عن الضرر البيئي الكبير جداً»، يقول أوسلن. كما أن حقيقة أن 50% من مواطني البلاد الأغنياء يصرّحون بأنهم يعتزمون الانتقال للعيش في الخارج خلال خمس سنوات لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مؤشراً إيجابياً.

أما على الصعيد الجيوسياسي والاستراتيجي، فيذهب الكتاب إلى أنه ما لم تقم الصين بمحاولة لعرقلة الملاحة البحرية، فإن احتمال وقوع صدام عسكري خطير بسبب الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية في بحر جنوب الصين سيظل ضئيلاً. غير أنه في ما يتعلق بتايوان، فتلك مسألة مختلفة، وخاصة في حال حاولت الصين، من دون أن تُستفز، استعادتها بالقوة.

ويخلص الكتاب إلى أن «السؤال الأمني الكبير لزمننا» يظل هو: هل تقدِم الصين على تحركات عسكرية ومغامرات خارجية مستقبلاً؟ وحسب المؤلف، فإنه حتى في حال اندلاع حرب باردة بين أميركا والصين، فإن ذلك قد يعني اضطراباً كبيراً في التجارة الدولية، مع ما قد ينطوي عليه ذلك من انخفاض دراماتيكي في مستوى المعيشة في العالم، في حين أن حرباً فعلية ستعني انتشار الدمار على قارتين. أما في حال وقوع حادث يتم خلاله تبادل ضربات نووية كاملة، تبدؤه كوريا الشمالية مثلاً، فهذا قد يعني نهاية الحياة على كوكب الأرض، كما يقول. ما الذي ينبغي القيام به لتفادي مثل هذه السيناريوهات الكارثية؟ يقول أوسلن إن على الولايات المتحدة أن تسعى لاحتواء الصين، وإنه لا جدوى من ادعاء خلاف ذلك. غير أنه يشدد في الوقت نفسه على أن ينبغي للولايات المتحدة أن تنتهج سياسة تقوم على الاحتواء والانخراط معاً. ولهذا، يشدد أوسلن، ينبغي أن تكون ثمة قوات بحرية أكثر في المنطقة، كما ينبغي تعزيز التعاون في مجال الدفاع مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والهند، «من أجل معالجة المشاكل الأمنية المهمة ومحاولة ضبط القواعد والمعايير الإقليمية». على أن التجارة والاستثمارات بين الولايات المتحدة وآسيا، وخاصة الصين، مهمة كذلك من أجل بناء الثقة وتحقيق الازدهار.

وحسب أوسلن، فإن «اللعبة الطويلة في آسيا تكمن في تشجيع الديمقراطية والتحرير الاقتصادي ودعمهما»، وهذا ينبغي أن يترافق مع التجارة، ومع انخراط وتفاعل بين الشعبين. ويقول في هذا الصدد: «إن الاستقرار الحقيقي والمستديم لا يمكن أن يحدث إلا عندما يكون لدى مجموعة من الدول الديمقراطية تأثير ونفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولئن كان من غير الممكن إجبار أي بلد على قبول الديمقراطية، فإنه ينبغي على الدول الليبرالية الآسيوية، بتعاون مع أميركا، أن تبذل ما بوسعها لتشجيع انتشار الديمقراطية ودعمها، وهو ما من شأنه أن يؤدي، في النهاية، إلى علاقات قوية، ووشائج ثقة، وربما حتى إلى استمرار القرن الآسيوي». ... المزيد