• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

مقولة «التاريخ يعيد نفسه» تنطبق على بغداد أكثر من أي مكان آخر، حيث شهدت المدينة على امتداد تاريخها دورات من الازدهار والسقوط

بغداد: سيرة جديدة لمدينة السلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 يناير 2015

يُعتبر كتاب المؤرخ الإنجليزي جاستن ماروزي الجديد «بغداد: مدينة السلام، مدينة الدماء» أولَ كتاب حول تاريخ العاصمة العراقية يصدر باللغة الإنجليزية منذ قرابة 80 عاماً. أما الجمع بين ضدين في العنوان -السلام والدماء- فمرده إلى ما يعتبره المؤلف ثنائية طبعت تاريخ المدينة منذ تأسيسها على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور في القرن الثامن الميلادي، ثنائية السلام والرخاء من جهة والعنف والدماء من جهة ثانية.

«مدينة السلام» أنشئت عقب سفك الدماء في الفتنة الثانية. كان الحكام السابقون للعالم العربي، الأمويون، يحكمون انطلاقاً من عاصمتهم دمشق، ولكن مع صعود العباسيين في القرن الثامن قرر الخليفة المنصور تأسيس عاصمة جديدة على ضفتي نهر دجلة. وكان الموقع الذي اختاره استراتيجياً لأنه يمثل ملتقى بين طريق الحرير والبحر الأبيض المتوسط العربي والمحيط الهندي.

ولعل مقولة التاريخ يعيد نفسه تنطبق على بغداد أكثر من أي مكان آخر في العالم، حيث شهدت المدينة على امتداد تاريخها دورات متتالية من الازدهار الحضاري والثقافي والتجاري ثم السقوط إلى العنف والفوضى. ولعل أكثر من جسّد هذه الثنائية التي اقترنت بالمدينة هو حفيد المنصور، هارون الرشيد، الذي شهدت المدينة في عهده أزهى فترات ازدهارها وإشعاعها الحضاري. ذلك أنه بينما كان وزيره الكبير هو الذي يتولى إدارة الشؤون العامة، كان هارون يحيط نفسه في قصره البديع بكوكبة من العلماء والشعراء. ولكن في مقابل هذا الجانب من شخصية هارون الرشيد، يكشف «ماروزي» عن جانب آخر من حياة هذا الخليفة العباسي. وهنا يروي الكاتب كثيراً من الأساطير والقصص الخرافية، التي تحتاج إلى تدقيق، وكثير منها ناتج عن تبني صور نمطية تاريخية، لا أساس لها.

أما الفظاعات في تاريخ مدينة السلام فكانت تأتي بأشكال مختلفة وعلى مدى سنوات عديدة من قبل السكان أو الأجانب المغيرين إلى درجة يمكن القول معها إنها ربما أضحت جزءاً لا يتجرأ من شخصية المدينة. فالمغول قاموا بنهب بغداد في 1258، وبعد نحو قرن ونصف القرن على ذلك حاول التتار التفوق عليهم في العنف والوحشية فصنعوا من عشرات الآلاف من الرؤوس المقطوعة أبراجاً. ولاحقاً، قام السلطان العثماني سليمان القانوني بغزو المدينة، مثلما فعل الشاه الفارسي عباس. وكل هذه الفترات يقاربها المؤلف بكثير من الاهتمام والفضول مستنداً إلى مصادر معاصرة ودراسات حديثة وتاريخ المدينة المنشور السابق.

وفي القرن العشرين، انجذب البريطانيون بدورهم إلى ماضي بغداد الرومانسي. ففي 1917، انتزعوا السيطرة على المدينة من العثمانيين ليصبحوا بذلك أحدث قوة عظمى تبسط سيطرتها على المدينة. غير أن قائدهم الجنرال «مود» كان حريصاً على طمأنة البغداديين بأنه لا يشبه هولاكو فقال: «إن جيوشنا لم تأتِ إلى مدنكم وأراضيكم كغزاة أو أعداء وإنما كمحرِّرين». ثم قام البريطانيون بتنصيب حكم عراقي ولكنهم كانوا هم من يحكمون البلاد فعليا.

وكانت دوامة العنف التي أعقبت غزو 2003 الكارثي نتيجة مباشرة لمشاعر الإحباط التي كانت تعتمل في نفوس البغداديين لوقت طويل بسبب الحكم الديكتاتوري لصدام حسين الذي شيد لنفسه قصوراً منيفة وأمر الشعراء بمدحه. ومع ذلك، فإن بعض البغداديين ما زالوا لا يخفون حنينهم إلى عهد صدام ويفضلونه على العنف العشوائي الذي ما زال يعصف بشوارعهم من حين لآخر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا