• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

مزاج النخبة البريطانية ومعها قطاع واسع من الرأي العالم لا يبدو أنه مستعد بعد لتبني مشروع كتابة دستور بريطاني

دستور بريطانيا.. متى يُكتب؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 يونيو 2015

في مثل هذا الشهر قبل ثمانية قرون اجتمع أعيان بريطانيون متمردون ومعهم ملك يعيش ضائقة مالية في حقل من الحشائش الخضراء إلى جانب ضفة أحد الأنهار قريباً من لندن للتوقيع على معاهدة ستغير مجرى التاريخ. ومنذ ذلك اليوم تحولت كلمات وبنود «ماجنا كارتا» إلى وثيقة ألهمت الحركات الديمقراطية عبر العالم وأسست لعدد لا يحصى من الدساتير، وبالأخص الدستور الذي صاغه الآباء المؤسسون في الولايات المتحدة. لكن ورغم الطابع التأسيسي للوثيقة البريطانية الرائدة لم تستكمل بريطانيا أبداً خطواتها لتضع تلك المبادئ في دستور مكتوب، واليوم وفي ظل الأزمات الوجودية والمعضلات المرتبطة بالهوية التي تعيش بريطانيا على وقعها تعالت بعض الأصوات المنادية بكتابة الدستور، وأخرى مستمرة في عدم اكتراثها لتظل بريطانيا واحدة من بين ثلاثة ديمقراطيات كبيرة في العالم ليس لديها دستور مكتوب. لكن ما يجعل هذه الحاجة أكبر اليوم هي التحديات الأساسية التي تواجهها بريطانيا فيما يتعلق بهويتها، فقد كادت اسكتلندا تشتت شمل المملكة المتحدة في استفتاء على الانفصال أجري شهر سبتمبر الماضي، وهي قد تحاول مرة أخرى بعد الانتصار الكاسح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة للقوميين، كما أنه سيكون على بريطانيا حسم خيارها فيما إذا كانت تريد الاستمرار ضمن الاتحاد الأوروبي، أم ترغب في الانسحاب.

وبالنظر إلى الطابع الخاص للنظام الانتخابي البريطاني أفرزت انتخابات الشهر الماضي إحدى أكثر النتائج تضليلًا في التاريخ البريطاني، تلك الشبكة المعقدة من المشكلات لا تقبل الإجابات السهلة، فمن جهتهم يقول المدافعون عن الدستور المكتوب إن مشاكل البلاد لن تحل ما لم تفعل بريطانيا ما يفعله الآخرون وتبادر إلى صياغة دستورها، هذا الأمر عبر عنه جيريمي بورفيس، عضو مجلس اللوردات الذي اقترح الأسبوع الماضي مشروع قرار لدستور مكتوب، قائلاً: «نحن لدينا تقليد عريق في مساعدة بلدان أخرى على كتابة دساتيرها دون أن نعترف بحاجتنا نحن لكتابة دستور خاص بنا، لكن الوقت قد حان ويجب تدوين الدستور».

الحقيقة أن بريطانيا ليست من دون قانونها الأساسي، وإنْ كان غير مجمع في وثيقة واحدة، بل متفرق بين نصوص عرفية وأحكام قضائية وقوانين شتى تعود إلى قرون من الممارسة القانونية وتوقيع المعاهدات والسوابق.

فالأطفال في بريطانيا لا يتعلمون في المدارس الكثير عن دستور البلاد، بل حتى وثيقة «الماجنا كارتا» التاريخية والتي تغير الكثير من بنودها لتلائم العصر لا تحظى بنفس درجة الاحترام الذي تلاقيه في الولايات المتحدة، وهو ما ينتقده «جراهام آلان»، عضو البرلمان الذي كان حتى مؤخراً يرأس لجنة الإصلاح الدستوري قبل أن تحل، قائلاً: «على الناس أن تعرف قواعد الحكم التي تنظم علاقتها مع المؤسسات، لكن لا يبدو أن البريطانيين واعون بأنه لدينا دستور غير مكتوب»، وقد خاض جراهام معركة قاسية للتأسيس لوعي جديد لدى البريطانيين بضرورة كتابة دستور للبلاد. ويبدو أن الاهتمام المستجد بموضوع كتابة الدستور في بعض الأوساط البريطانية ليس مرده فقط قرب الاحتفال بذكرى مرور ثمانية قرون على تدبيج وثيقة «ماجنا كارتا» في 15 يونيو الجاري، بل أيضا الضغوط التي تواجهها المملكة المتحدة، لا سيما احتمالات انفصال اسكتلندا التي تظل قائمة، والحاجة لتنظيم العلاقة بين الأمم الأربعة المشكلة للاتحاد: إنجلترا واسكتلندا وويلز، وإيرلندا الشمالية، التي بدأت تتململ من تركز السلطة في لندن ومطالبتها بإعادة النظر في تلك العلاقة على أسس جديدة. بيد أن مزاج النخبة البريطانية ومعها قطاع واسع من الرأي العالم لا يبدو أنه مستعد بعد لتبني مشروع كتابة دستور بريطاني، فبعد استحداث لجنة برلمانية أوكلت إليها مهمة النظر إلى إمكانية صياغة دستور، عادة مجلس العموم لحلها بسبب عدم تواجب الرأي العام واستبعادها باعتبار أنها ليست من الأولويات.

جريف ويت*

* كاتب ومحلل سياسي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا