• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

اللقاء التشاوري حول الأزمة اليمنية لقاء غامض وعليه ألف علامة استفهام، وأنه انتصار لـ«الحوثيين» وقوات صالح وخطوة إلى الخلف بالنسبة للحكومة الشرعية اليمنية

جنيف.. المقبرة الجماعية الغربية للقضايا العربية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 يونيو 2015

رائحة كريهة تزكم أنفي وأنوف كل العرب الذين ما زالت لديهم حاسة شم قوية وقليل ما هم عندما تحط قضايانا رحلها في جنيف - هي رائحة تصل إلى أنوفنا عبر آلاف الأميال التي تفصلنا عن جنيف. رائحة جثث قتلانا وعويل أطفالنا وولولة نسائنا ونحن نشيع قضايانا إلى مقبرة جنيف الجماعية. جنيف أصبحت في أذهاننا وهي هكذا فعلاً مدينة سيئة السمعة. ربما هي مدينة نظيفة وصديقة للبيئة، ولكنها مدينة ملوثة وعدو للعرب. وكل قضايانا التي شيعتها الأمم المتحدة المشبوهة وذراع أجهزة الاستخبارات الدولية إلى جنيف دفنت حية في هذه المقبرة الغربية الجماعية للقضايا العربية.. والعرب مصممون على أن يُلدغوا من جحر جنيف آلاف المرات. فالأمم المتحدة تضعنا دائماً أمام طريق أو حائط مسدود، وتقول لنا نفس مثلنا العامي الشهير «يا ناقتي ولا العصا ولا اشربي» - اشربوا كأس جنيف المسمم والملوث أو اشربوا من البحر أو اذهبوا إلى الجحيم. وفي كل مرة يذهب العرب إلى جنيف ويعودون بخفي أي أمين عام للأمم المتحدة أو أي مبعوث دولي يدس أنفه في قضايانا.

كانت جنيف دوماً طريق اللا حل للقضايا وطريق التدويل لأزماتنا وطريق كسب الوقت لأعداء العرب من الخارج أو من الداخل. كانت وما زالت طوق النجاة لإسرائيل والإرهابيين و«الحوثيين» في كل مكان من الأرض العربية. مؤتمرات السلام في الشرق الأوسط في جنيف. ومؤتمرات الأزمة السورية في جنيف ومؤتمرات المأساة الليبية في جنيف ومؤتمرات الكارثة العراقية في جنيف ومؤتمرات الصفقات الأميركية الإيرانية في جنيف ولوزان. وكل المؤتمرات واللقاءات التي كان هدفها التآمر على الأمة العربية كانت في سويسرا بكل مدنها وعلى رأسها جنيف وكانت برعاية الأمم المتحدة. وكأن هذه المنظمة هي أمم متحدة ضد الأمة العربية. كل اللقاءات المشبوهة ضد العرب عقدت برعاية الأمم المتحدة في جنيف وآخرها اللقاء الذي يسمونه تشاورياً حول الأزمة اليمنية. ولسنا ندري حتى الآن حول ماذا سيتم التشاور ومن هم المدعوون إلى لقاء جنيف. كل ما نعرفه أن لقاءات جنيف ومؤتمراتها أصبحت غاية في ذاتها وليست وسيلة للحل أو الحلحلة.

كل ما نعرفه أن اللقاء التشاوري حول الأزمة اليمنية لقاء غامض وعليه ألف علامة استفهام، وأنه انتصار لـ«الحوثيين» وقوات صالح وخطوة إلى الخلف بالنسبة للحكومة الشرعية اليمنية وللتحالف العربي، لأن هذا اللقاء يفك الحصار على «الحوثيين» وقوات صالح، ويحقق رؤية إيران ويتجاوز تماماً قرارات مجلس الأمن الدولي والمبادرة الخليجية، ويؤكد مقولة صالح «إن اللعب سيبدأ من الصفر، وأن كل المبادرات والاتفاقيات والقرارات السابقة لجنيف انتهت تماماً». مؤتمر جنيف حول اليمن سيتحول مثل مؤتمرات الأزمة السورية إلى جنيف واحد وجنيف اثنين وربما جنيف مئة. والحقيقة الموجعة التي ربما غابت عن الكثيرين هي أن لقاءات جنيف حول أي أزمة عربية تؤكد أن ما يسمى المجتمع الدولي الذي تقوده أميركا وعصاها المتمثلة في الأمم المتحدة قرر أن يتعامل مع ميليشيات لا مع دول في العالم العربي وأن استراتيجية أميركا التي ابتدعها أوباما هي دعم الميليشيات على حساب الدول الوطنية.. حدث هذا بوضوح وجلاء في ذلك (التسونامي) الذي ضرب عدداً من الدول العربية تحت اسم «الربيع العربي». فقد قادت جماعة «الإخوان» عواصف هذا الخريف بدعم أميركي غير محدود واعتبرت واشنطن هذه الجماعة بديلاً للدول الوطنية في المنطقة، وصرح الأميركيون في إدارة أوباما غير مرة بأن الإخوان يمثلون المعارضة المعتدلة وأنهم علمانيون وأحاط أوباما نفسه بمستشارين داعمين لـ«الإخوان». واستعان بهذه الجماعة لتكون عراب علاقته القوية بإيران، وليس من قبيل المصادفة أن يزور الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد مصر في بداية الخريف العربي، وأن يزور محمد مرسي إيران بعد توليه السلطة في مصر.. كل ذلك كان بمباركة أميركية واضحة على أساس أن النسق الإيراني هو نفسه النسق «الإخواني»، حيث المرشد ومكتب الإرشاد ومحاولات نقل تجربة الحرس الثوري الإيراني لمصر كبديل للجيش الوطني. وهذا كله يصب في خانة الاستراتيجية الأميركية القائمة على دعم الميليشيات على حساب الدول والجيوش الوطنية العربية ولأن إيران دولة (ميليشياوية) ولديها خبرة طويلة في صناعة الحالة (الميليشياوية) بأفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن استعانت بها إدارة أوباما في خلق الميليشيات السرطانية داخل الجسد العربي وهو ما أدى بالقطع إلى نتائج كارثية نعيشها الآن وأدى أيضاً إلى تراجع دور الدول الوطنية تماماً.

والحق الذي لا مراء فيه أن العرب لا يتعلمون رغم أن التاريخ السيئ يعيد نفسه بالنص وبالحرف مع اختلاف الشخوص.. وأن السيناريوهات القديمة يعاد إنتاجها من جديد بمؤلفين ومخرجين وممثلين جدد. ورغم ذلك ما زالت تشد انتباهنا وتجذبنا وتفاجئنا ربما لأننا في غيبوبة أو لأننا ابتلينا بآفة النسيان. جنيف هي جنيف لم تنتقل من مكانها والمشاركون في جنازات القضايا العربية لا يتغيرون. واللحادون أيضاً لا يتغيرون، ومع ذلك ما زال الكثيرون لديهم أمل في جنيف. ولا يريدون أن يعوا أن جنيف هي طوق النجاة الأميركي للميليشيات التي تدعمها واشنطن من أجل تفكيك الدول الوطنية لحساب إسرائيل ثانياً ولحساب إيران أولاً. لأن أميركا معجبة غاية الإعجاب بثقافة الميليشيات التي تستطيع من خلالها إسقاط الدول الوطنية العربية دون أن تتكبد خسائر. فقد تركت أميركا التي يسمونها الآن المجتمع الدولي أو يسمونها الأمم المتحدة المهمة للميليشيات مثل «الحوثيين» و«داعش» و«النصرة» و«القاعدة» و«الإخوان» الذين تمثلهم «فجر ليبيا». وهذه الميليشيات المدعومة كلها من أميركا وإيران وتركيا لديها مهمة محددة وواضحة وهي استنزاف الدول العربية الوطنية وإنهاكها بحروب طويلة وبلا نهاية تتخللها هدنات إنسانية كاذبة ولقاءات في جنيف ثم يتم استئناف الاستنزاف والإنهاك إلى أن تتهاوى الدول الوطنية العربية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. يحدث هذا في الحرب اليمنية والحرب المزعومة ضد «داعش» والحرب العبثية في ليبيا وفي سوريا. وليس صحيحاً أبداً أن الولايات المتحدة التي نسميها المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة تريد هزيمة الإرهاب، ولكنها ترمي إلى حرب دعائية أو حرب افتراضية بلا نهاية ضد الإرهاب، لأن هدف أميركا هو القضاء على الدول الوطنية العربية وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت وليس القضاء على الإرهاب. وليس من قبيل المصادفة أبداً أن تلتقي نظرية أو فكرة الفوضى الخلافة مع فكرة صنع الميليشيات الإرهابية في المنطقة.. فنظرية الفوضى الخلافة لا تطبقها أميركا بنفسها ولكن تطبقها من خلال الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران وتركيا، كما أن نظرية الشرق الأوسط الكبير لن تكتمل إلا بدعم كامل للميليشيات الإرهابية التي تلتقي أجنداتها مع الأجندات الأميركية التركية الإيرانية. وليس صحيحاً أن تركيا وإيران وأميركا لاعبون رئيسيون في الشرق الأوسط الجديد، بل هم اللاعبون الوحيدون.. والدول العربية ليست لاعباً رئيسياً أو فرعياً ولكنها (ملعوب بها)، أي هي الكرة التي تتقاذفها أميركا وتركيا وإيران والميليشيات الإرهابية. والمباراة متنقلة من مكان إلى مكان أو من مدينة إلى مدينة. وجنيف هي الملعب الدائم ضدنا ونحن الكرة الدائمة في كل الملاعب. وستشهد مباراة اليمن أشواطاً إضافية ووقتاً ضائعاً وسيتم حسمها بعد زمن طويل لصالح الإرهاب، لتؤكد جنيف من جديد أنها المقبرة الجماعية الغربية للقضايا العربية!!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا