• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

سياستها الداخلية تؤثر على الأمن القومي

أميركا والخيارات الصعبة في العراق!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 23 يونيو 2014

كلايف كروك

كاتب ومحلل سياسي أميركي

فيما العراق يتداعى أمام أنظار العالم بدأت تظهر حقيقة ساطعة في السياسة الخارجية الأميركية مفادها أن الولايات المتحدة تسعى تحديداً إلى حالات تكسب فيها كل شيء، أو لا شيء، والحال أنه نادراً ما يُسعف الزمن بحالات مماثلة تكون فيها المكاسب واضحة والنصر بيناً، ولعل «الحرب على الإرهاب» التي تخوضها أميركا منذ سنوات خير مثال على هذه الحقيقة، أو هذه المتلازمة المرتبطة بالسياسة الخارجية الأميركية. ففي العراق وسوريا وأفغانستان لا شيء بالبساطة التي يريدها صناع القرار الأميركيون، ولاسيما في ظل الأهداف المعقدة والتسويات المطلوبة التي غالباً ما تكون مؤلمة وغير مستساغة. وفي هذا السياق تأتي كتابات أنتوني كوردسمان المهمة حول العراق وسوريا التي تستحق البحث والدراسة، وخاصة أنها حافلة بالتحذير من التحديات الأمنية المطروحة، وأيضاً لأن كتابته تبدو اليوم وكأنها تستشرف واقعنا الحالي بالكثير من الدقة والصدق، ولاسيما فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجهها أميركا باعتبارها القوة الأولى على الصعيد العالمي، ولذا تنطوي إيضاحاته حول السياسة الأميركية ودروسه بشأنها على أهمية قصوى بالنسبة لصانع القرار الأميركي. وهكذا يمكن تلخيص رؤية كوردسمان حول ما يسميه «أشباه الحروب ضد أشباه الإرهابيين» -في إشارة إلى اختلاط المفاهيم وتداخلها- في نصيحة دالة تقول بضرورة خفض مستوى التوقعات والتحلي بالصبر. وإذا كانت هذه النصيحة تبدو من المسلمات البديهية في عدد من البلدان، إلا أنها ليست كذلك في الولايات المتحدة، حيث يصر الأميركيون على النصر القريب، حتى إذا لم يأتِ هذا النصر ضجوا بالشكوى والتساؤل عن سبب الانخراط في الحرب منذ البداية.

وعلى ما يبدو لن يكون هناك نصر حاسم ضد الجماعات المتطرفة «الجهادية»، وذلك لأن هذه الأخيرة لا تمثل ما يكفي من الخطر لتبرير إطلاق حرب شاملة. ومع ذلك يجب عدم التهوين من خطورة الإرهاب على المصالح الأميركية، فإذا كان من العسير القضاء نهائياً على الإرهاب والتطرف فلا أقل من تدبير أمره واحتوائه، وهذا يعني مواجهته بذكاء وأناة، مع إشراك الحلفاء كلما أمكن ذلك، وقياس دقيق لميزان الفوائد والتكلفة. وليس هناك أدل على دقة فكرة كوردسمان حول مغالطات السياسة الخارجية من عبارة «انتهت المهمة» التي تلفظ بها بوش بعد دخول بغداد، وبمعنى آخر فقد ولت دون رجعة فكرة إنهاء الصراعات المتجذرة بمجرد إرسال القوات العسكرية، وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبه أوباما عندما قال في 2011 لدى انسحاب القوات الأميركية من العراق: «نحن نترك خلفنا عراقاً سيداً ومستقراً ومعتمداً على نفسه»! أما المغالطة الأخرى التي يشير إليها كوردسمان فهي تلك المتعلقة بالاعتقاد المبسط والسطحي أحياناً بأن لكل صراع جانباً خيراً، وآخر شريراً، والحال أن السياسة الخارجية ليست تمريناً أخلاقياً، وهنا يمكن الإشارة إلى المالكي وكرزاي باعتبارهما أحد إفرازات التدخل الأميركي وإن كانا غير مقبولين. ومع أن الرجلين ربما كانا لحظتها هما أفضل المتاح، إلا أنهما ظلا على الدوام جزءاً من المشكلة في بلديهما معاً، ولكن هذه الإشكالات لا تدافع عن فكرة التنحي جانباً والتفرج على الوضع من بعيد، فطالما أن الولايات المتحدة تستطيع من خلال تدخلها التأثير في المخرجات والمآلات وخدمة المصالح الأميركية بتكلفة مقبولة، فإن عليها التدخل. وبالعودة إلى التطورات الأخيرة في العراق فلاشك أن العالم سيكون أكثر أمناً إذا لم تُنشئ «داعش» دويلة لها في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا، ولذا أعتقد شخصياً أنه من المبرر شن ضربة عسكرية على مواقع «داعش» مصحوبة بمطالب سياسية من حكومة المالكي، وجزء من التبرير أن التكلفة والمخاطر يظلان محدودين؛ ومهما كان قرار أوباما بشأن العراق فالأكيد أنه يريد دراسة الموقف ملياً قبل الإقدام على أية خطوة، وهو لا يريد الانخراط في عملية الاختيار بين الأطراف والانحياز إلى أحد دون الآخر، ولكن على رغم الحذر الذي أبداه، فقد كان لافتاً تلفظه بكلمة الانتصار أكثر من مرة حتى وإن كانت تورطه أكثر في التحليلات المبسطة التي لا تقود إلى نتائج فعالة. وعندما رفضت إدارة أوباما في بداية السنة الحالية طلب المالكي بشن ضربات جوية على مواقع «داعش» كان رد الإدارة مفهوماً «كيف نقصف مواقع في العراق في حين نقول إننا أنهينا الحرب هناك؟». ولكن هذا بالضبط هو ما يعيب السياسة الخارجية لأوباما، فما كان يجب الانسحاب أصلاً من العراق بالصورة التي تم بها، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن السبب. الحقيقة أن الأمر يرجع إلى عوامل سياسية مرتبطة بالداخل الأميركي، إذ تكثر الضغوط على السياسيين لإعلان النصر، حيث لا نصر هناك، وتقسيم الآخرين إلى أصدقاء وأعداء، وتفسير القرارات المعقدة بعبارات مبسطة ومبادئ سطحية بدل استكناه عمق الأشياء. وهو أمر أيضاً يرجع إلى ضغط الناخبين، فعلى رغم كل ما يقال عن ضرورة أن يثقف القادة ناخبيهم في الأمور الخارجية، إلا أن العكس هو ما يحصل، إذ يجر الناخبون القادة إلى تفسيراتهم المغرقة في سطحيتها.

وتتفاقم الضغوط على السياسيين في إطار الصراع المحتدم بينهم الذي لا يرحم أحداً في واشنطن، وهكذا لم يكتفِ بوش بارتكاب خطأ عندما غزا العراق، بل أصبح في عرف خصومه سياسياً كاذباً خدع شعبه، فيما لم يخيب أوباما أمل منتقديه فقط، بل أثار اشمئزازهم أيضاً، والنتيجة أن السياسيين الذين يتعرضون في واشنطن لهذه الهجمات لا يكتفون بمعارضة بعضهم بعضاً، وإنما يرفضون قطعاً كل ما يمثله الخصم السياسي، وبهذه الطريقة تلقي الاعتبارات السياسية الضيقة بثقلها على الحسابات الأمنية، ويصبح من الصعب التحلي بأهم قيمتين كان قد تحدث عنهما كوردسمان بوصفهما أساس أي سياسة خارجية، وهما الواقعية الحذرة والصبر الاستراتيجي، فالأولى تتطلب مجالاً من إبداء الشك والاختلاف بحسن نية غير موجودة في المناخ السياسي الحالي، فيما تستدعي الثانية سياسة طويلة الأمد تدعمها الإدارات المتعاقبة، ولذا يمكن القول، إجمالاً، إن السؤال يبقى مفتوحاً حول ما إذا كانت الممارسة السياسية الراهنة في واشنطن قادرة على إنتاج السياسة الخارجية التي تحتاجها البلد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا