• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

..في الشقاوة ينعم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 23 يونيو 2014

كم هو سعيد هادئ البال مسترخي الأعصاب من يقود سيارته بروية وتأن، يعد الطريق الذي يقطعه متنزه يستمتع بما يحتوي من أشجار تظلل الشوارع، وورود تجملها يستمع لأحداث الشارع بإنصات المتأمل، لا يفوته من أمر الطريق شيء، يحيل الغصات المرورية إلى وقفة مع الذات ومراجعة الحسابات، أوخلوة ذكر وشكر، خارجا بنفسه وفكره من تلك الزحمة، ييسر العبور للمستعجل ، لعل الأخير يود الوصول لمنع كارثة ألمت بمن يعول، يقرأ معطيات الطريق ويترجمها إلى نتائج، فيرى الحوادث قبل وقوعها ويتخذ الأسباب ليبقى لا علاقة له ولاطرف في أي منها ، وعديدة هي المرات التي يفاجئه عابرو الطريق من غير أماكن عبورهم ، وما تطوي المفاجآت من عبور المشاة بين شجيرات الشوارع المظلمة المتوقع خلوها من المارة، يعبرون مستعجلين وكانهم يستعجلون الموت بين عجلات السيارات وصلابة الشارع، بيد أنهم يمرون أمام سيارة أخينا بسلام السالمين الآمنين حتى يبلغوا وجهتهم، حيث استجابت مكابح السيارة لأمر التوقف في الحال ودون تردد أو انزعاج، كيف لا وهي تسير متأهبة لأي طارئ يواجه طريقها. تسير سيارته بانسيابية الخطى الثابتة وبواقعية الانطلاقة الموثوق بها، لا تخيفها طوارئ الطريق ولا تقلق من مفاجآته.

أما الصورة المقابلة لذلك الأخ والمناقضة لتصرفاته سائق عرف من السيارة سرعتها وقرر تحطيم أرقام “جينس” في قطع المسافات، خيل له أن الشارع ساحة المعركة والسيارة سيفه البتار الذي راهن على فوزه في جميع المعارك، ونصب نفسه مجاهدا للوقت والطريق منطلقا من مبدأ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. يخلو الطريق في عينه من السيارات والمارة تاركين له الفرصة ليمارس إبداعات القيادة كما يحلو له في منأى عن واقع الشارع ومستخدميه وما يطرأ عليه من مفاجآت الطريق ، يلعن من يحاول الاعتداء على حقه في استخدام الطريق منفردا، ويقضي على كل من تسول له نفسه ويتجرأ على العبور، يقطع مجال التجاوز على أي مستعجل فما المستعجل بالنسبة له سوى منافس شرس يتحدى قدراته الفذة في القيادة، يربك الشارع، ويبدد أمن مستخدميه فيلزم من يراه الحذر على مبدأ “شر ما يخوز عنك خوز عنه”، وقد تمنوا لو لم يستخدموا ذلك الطريق في ذات التوقيت تجنبا للقائه المحفوف بالمخاطر.

أما سيارته المسكينة فما هي سوى عبد تم أمره وعليه الطاعة والامتثال بيد أنها تسير مضطربة خائفة يدرك من يراها مقدار ما تكنه من رفض الواقع الذي سيهوي بها وبمن تحمل إلى الهلاك. وإذا ووجه بخطورة تلك التصرفات، نجده سعيدا مفتخرا يردد “دامك مسيطر في السواقة بتم السيارة في شورك”، وقد جهل العبقري أن السيارة آلة عمياء لاعقل لها ولا تمييز، تخون من لا يدرك مخاطرها، وكم ممن خدعوا بقدراتهم في فن القيادة وجهلوا التعامل مع السيارات سالت دماؤهم على أسفلت الشوارع التي طالما صرخت مستاءة مما يفعلون.

فهل هي حقيقة أن أخ الجهالة في الشقاوة ينعم؟

نوره علي نصيب البلوشي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا