• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

سارة الوهمية والخدعة الإلكترونية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 08 يونيو 2015

على مدى أكثر من عام، تعاطف عدد من مستخدمي وسائل مواقع التواصل الاجتماعي مع حساب باسم سارة إبراهيم على الـ «تويتر»، باعتبار أنها طفلة مصابة بالسرطان، وكان من بين المتعاطفين معها وزراء وإعلاميون وصحفيون وشعراء، وقام عدد من الأشخاص كذلك بحلق رؤوسهم تعاطفاً مع الطفلة، ووصل الأمر ببعض الأشخاص إلى تأدية العمرة على نيتها، حتى وصل «الهشتاق» الأول، خلال الساعة الأولى، إلى 9 آلاف تغريدة، ليصل بعدها إلى أكثر من 4 ملايين.

بدأت قصة سارة في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» عندما أنشأ، أحدهم أو أكثر، حساباً بهذا الاسم سارة إبراهيم «سعودية»، فتاة صغيرة، مصابة بالسرطان وتبحث عن كلفة العلاج، وسرعان ما قدم المئات بل الآلاف تبرعات لحسابها، ولكن إذ بالجميع يفاجأون، بحقيقة كانت قاسية على الكل، إن الصور على الوسم المنشور باسم سارة تعود إلى طفلة أميركية مصابة بالسرطان، حتى أن أهلها فوجئوا بالكم الهائل من المتداخلين، فقد كان المنتحلون يتلاعبون بصورها عبر قصها، وإنشاء حساب باسم سارة إبراهيم «السعودية»، الشخصية الوهمية التي وجدت تعاطفاً كبيراً من السعوديين تحديداً وغيرهم.

أصيب الكثيرون بصدمة بعد أن علموا أن الحساب وهمي، وأنهم ضحايا احتيال ونصب تم بمعرفة المحتال بكم المشاعر الإنسانية والتضامن والعواطف مع مرضى السرطان في المجتمعات العربية، استطاع المحتال أن يخرجه من دواخلهم ويوظفه إلى عمل ملموس، صبَّ مالاً وفيراً في حسابه الشخصي.

فجر حساب سارة الوهمي كماً من الأسئلة، بعد أن سيطرت مواقع التواصل الاجتماعي، على عقول وأفئدة الكثيرين، وأصبحت لا غنى عنها للأفراد تماماً، مثل الأكل والشرب والنوم، بل إنها صارت منافساً قوياً لكل الوسائل التقليدية التي كانت أداة أولى للأخبار من صحف وإذاعة وتلفاز ووكالات أنباء، هذه الأسئلة لها شقان، الأول يتعلق بـ «كيف يتم توظيف حب الناس لعمل الخير في خدمة المجتمع» من جانب الجهات الرسمية أو المصدقة لها بذلك، من ناشطي المجتمع المدني أو المجموعات الريفية، ضمن أطرها الاجتماعية المتوارثة، لخدمة المجتمع أو قضية ما، لأن تعاطف 4 ملايين شخص مع حساب حتى ولو كان وهمياً يدلل أن المجتمعات، مثلاً في قضية سارة، تتعاطف مع المرضى مادياً ومعنوياً، وتعمل على دعم المرضى للوصول إلى الشفاء، وقس على ذلك الكثير من القضايا المجتمعية التي تتطلب تسليط الضوء عليها من خلال مشاركة المجتمع في حلها، والشق الثاني وله الأهمية نفسها ويتعلق بكيفية محاربة النصب والاحتيال والتضليل للبشر الممارس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف التعامل مع هذه المواقع من حيث صدقيتها أو كذبها، ودور الدولة والمجتمع في ذلك، والوسائل القانونية بالحد من الظواهر السلبية، وقضية سارة مثال ساطع، فهي قضية احتيال واضحة أي أنها جريمة معلوماتية، بانتحال صفة الغير، والحصول على أموال الآخرين، وفتح حساب غير مأذون له بجمع تبرعات.

كشفت قضية سارة إبراهيم بأننا مجتمع عاطفي، يتصرف ويندفع في أي عمل قبل التفكير فيه، حتى أننا نتحدث ولا نفكر في عواقب ما نقوله قبل إطلاق الكلام أو الاندفاع لأي عمل قد يكون فيه شرك نصب لنا، وهذا الأمر يستدعي علاجاً لهذه الظاهرة الملازمة، ولا بديل لذلك غير إعمال العقل، قبل أي خطوة نخطوها من أجل عمل ما، وإلا سنكون دوماً ضحايا النصب والاحتيال والكذب، في زمن صار فيه الإعلام يؤدي دوراً مهماً ومؤثراً في حياة الإنسان وبناء شخصيته وقناعاته واتجاهاته، ومساهماً في التنشئة الاجتماعية، وسلوكنا في الواقع المحيط بنا، هذا الدور والتأثير يتطلب من الفرد التفرقة بين الغث والثمين، والخبر الصادق والكاذب، قبل اتخاذ أي خطوة، ولن يتم ذلك إلا باكتساب وعي عقلاني بالعالم المحيط بنا.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا