• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

في حلب أصبح من شبه المستحيل العثور على دواء لمعالجة أمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل وغيرها من أمراض الشيخوخة.

المسنون في حلب.. معاناة مزدوجة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 05 نوفمبر 2016

هوغ نايلور*

قبل أن تمسك الحرب بتلابيب بلاده سوريا كان «مارع مارع» يستمتع بسنوات تقاعده. يخرج ليمشي في خلو بال صباحاً ويلعب مع أحفاده ويأخذ قيلولته في الظهيرة. لكن القتال اشتعل في مدينته حلب، ودكت الضربات الجوية الحي الذي يعيش فيه وبعد حصار شديد اضطر «مارع» إلى الاقتصاد في طعامه حتى يجد أفراد عائلته ما يقتاتون به. وأصبح الجد البالغ من العمر 70 عاماً فريسة للضعف والخوف واليأس.

وفي مقابلة عبر سكايب من حلب التي تمزقها الحرب، سرد «مارع» قصته قائلاً إنه قضى حياته كلها يكافح ليبني حياة أفضل لأسرته، وأنه قاسى في سبيل هذا سنوات طويلة في العمل الشاق، لكن الآن حل الخراب بكل شيء وضاع هناء العيش. وعكرت الحرب صفو حياة أكثر من 200 ألف شخص ما زالوا في شرق حلب. ويؤكد عمال إغاثة وأطباء أن «مارع» وأمثاله من السكان العجائز الآخرين يواجهون ظروفاً صعبة بشكل استثنائي. فقد اختار هؤلاء العجائز، أو طُلب منهم، أن يقدموا التضحيات لصالح الأصغر سناً في الأسرة أو تُركوا بمفردهم كي يدبروا شؤونهم بعد فرار أولادهم وأحفادهم إلى دول أخرى.

ويؤكد «بكري عبيد»، الذي يوزع الطعام على السكان في مناطق المتمردين في حلب، وهو من جمعية «ميرسي. يو. أس. أيه»، أو (الرحمة الأميركية) التي مقرها ميتشجان أن الناس اضطروا إلى تقديم تضحيات وهذا في الغالب يؤدي إلى إهمال كبار السن، ما يعني أن هؤلاء سيعانون معاناة مزدوجة. وحلب التي كانت ثاني أكبر مدينة في سوريا قبل الحرب قد تكون أهم المعارك في الصراع الذي بدأ عام 2011 وتسبب في مقتل أكثر من 400 ألف شخص وتشريد الملايين. واستولى المتمردون على الأحياء الشرقية من المدينة عام 2012 مما جعل القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد تكثف جهودها لاستعادتها.

وفي الشهور القليلة الماضية، كثفت الطائرات الحربية التابعة لحكومة الأسد قصفها على المستشفيات والمنازل في مناطق المعارضة بالمدينة. وتفاقمت أزمة الغذاء والوقود بسبب حصار تفرضه القوات المؤيدة للحكومة المهيمنة على غرب المدينة. وأصبح من شبه المستحيل العثور على دواء لمعالجة أمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل وغيرها من أمراض الشيخوخة. والمنشآت الطبية المرهقة بأعبائها تضطر إلى رفض استقبال المصابين بمثل هذه الأمراض بسبب كثرة حالات الطوارئ من المصابين بشظايا أو جروح. ويؤكد بابلو ماركو مدير عمليات الشرق الأوسط في «منظمة أطباء بلا حدود» أن هناك ما يزيد قليلا على 30 طبيباً فقط يعملون في شرق حلب. والمنطقة ليس بها إلا وحدة غسيل كلى وحيدة وتعطلها يعني المزيد من الوفيات. والأطباء لا يتوافر لديهم الوقت أو الأجهزة للعناية بالأمراض المزمنة التي إذا لم تعالج بشكل ملائم ستقتل المرضى في غضون أسابيع أو شهور.

وفي حي آخر من شرق حلب تعيش ريما سلامة البالغة من العمر 83 عاماً في بيت نشأ فيه أولادها. وفرّ معظم أفراد الأسرة إلى تركيا العام الماضي، لكنها اختارت البقاء في منزلها. وكانت «ريما» تتحدث عبر سكايب وصرحت أنها تشعر بالوحدة. وبسبب الحصار لا تستطيع «ريما» مغادرة حلب وأسرتها لا تستطيع زيارتها. وتتلقى ريما طعامها من المنظمة الخيرية التي يعمل فيها عبيد، لكنها تجد صعوبة في إعداد الطعام وتعتمد على مساعدة الجيران. ويؤكد «مارع» أنه لن يغادر أبداً منزله الذي كدح سنوات كي يبنيه. لكن حتى لو فكر في الفرار لمنعه الحصار الحكومي من ذلك. ويقضي معظم أيامه في المنزل يشعر بالعزلة ويأمل ألا تدك الضربات الجوية منزله وهو فيه مع أسرته. وعبر عن خوفه من احتمال قصف المنزل، فيلقى مصير أشخاص كثيرين في المنطقة ضربت الطائرات منازلهم وظلوا تحت الأنقاض يموتون تحتها ببطء. وصرح أيضاً أنه لا يكف عن التفكير في محاولة إحداث توازن بين ما يحتاجه هو وزوجته البالغة من العمر 70 عاماً واحتياجات الأحفاد والأولاد البالغ عددهم عشرة ويعيشون معهما. والأسرة تكافح بالفعل للعناية بالابن أحمد البالغ من العمر 45 عاماً الذي بترت ساقه بعد إصابتها بشظية أثناء هجوم.

ويؤكد الرجل أنه وزوجه لا يأكلان إلا وجبتين فقط، واحدة في الصباح والثانية في المساء لتوفير الطعام للأطفال. ويخشى أن يؤثر هذا في صحة زوجته التي تعاني ارتفاع ضغط الدم والتهاب المفاصل. ولمارع ابن آخر يسمى حميد عاد من تركيا ليزور والده لكنه حوصر داخل المدينة بعد أن فرضت الحكومة حصارها قبل بضعة أسابيع. وهكذا لم يعد بمقدور الابن العودة إلى تركيا وهو ما يزيد الوالد العجوز كرباً.

* صحفي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا