• الأحد 29 شوال 1438هـ - 23 يوليو 2017م

«التيكيلا 94» عصفت بـ«البيزو المكسيكية» ودمرت العملات الآسيوية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 04 نوفمبر 2016

عبدالرحمن إسماعيل (الاتحاد)

لم يعط الاقتصاد المكسيكي الذي عاش حقبة من الانتعاش أواخر الثمانينيات، أية إشارات على دخول البلاد في أزمة امتدت شظاها بعد ثلاث سنوات من وقوعها، إلى دول جنوب شرق آسيا التي انهارت عملاتها بشكل مسبوق، كنتيجة لـ«أزمة التيكيلا» التي عصفت بالمكسيك عامي 1994-1995.

ومرت المكسيك بفترة من الازدهار الاقتصادي امتدت سنوات منذ بدء برنامجها للإصلاح الاقتصادي العام 1989، وهو ما دفع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قبل فترة وجيزة من وقوع الأزمة المكسيكية في خريف العام 1994، أن تعترف بأن الاقتصاد المكسيكي يحقق نمواً اقتصادياً معتبراً، كما وافقت الدول الصناعية قبل سبعة أشهر من وقوع الأزمة، على انضمام المكسيك إلى مجموعة الدول المنضوية تحت راية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتصبح العضو الخامس والعشرين، وكانت المكسيك قبل عام قد انضمت إلى اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «النافتا». ولم يترك الرئيس الأميركي بيل كلينتون فرصة لا يشيد فيها بالازدهار الاقتصادي المتحقق في البلد المجاور، ولذلك لم يكن غريباً أن يستثمر الأميركيون أموالهم في المكسيك بسخاء وطمأنينة، في أسهم الشركات التي امتلكتها الحكومة في السابق، وكذلك شراء سندات الدين التي حققت لهم فوائد خيالية تراوحت بين 15-50%، مقارنة بمعدلات فوائد متدنية في سوقهم الأميركي تراوحت بين 3-4%. واغتنمت الحكومة المكسيكية الفرص التي أتاحتها لها أسواق المال المحررة من القيود، وراحت تجني مليارات الدولارات من البورصات من خلال تجزئة ديونها إلى مئات الآلاف من الأوراق المالية، وبيعها في الأسواق المالية، كسندات دين مكسيكية.

لكن حلم المكسيكيين في تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومثير للإعجاب، ذهب مع الريح، مع إقدام الرئيس المكسيكي الجديد وقتها أرنستو زيديلو ليون بعد 20 يوماً فقط من توليه مقاليد الحكم، على خفض سعر العملة المكسيكية «البيزو» نحو 15% من قيمتها، الأمر الذي أثار شكوك المستثمرين الأجانب حول مستقبل المكسيك، ومدى قدرتها على سداد ديونها، وهو ما دفعهم إلى الفرار بجزء من أموالهم خارج البلاد. ووقعت الأزمة الاقتصادية في البلاد والتي اصطلح المصرفيون على تسميتها بأزمة «التيكيلا» نسبة إلى المشروب المكسيكي الواسع الانتشار الذي يحمل ذات الاسم، أصيبت الأسواق بحالة من الذعر بعد قرار خفض«البيزو»، اذ تراجع رصيد المصرف المركزي المكسيكي من الاحتياطي الأجنبي إلى النصف في غضون الفترة بين فبراير ونوفمبر 1994، إلى أقل من 15 مليار دولار، وهو ما دفع المستثمرين المذعورين إلى الفرار السريع هو الحل الوحيد، وهكذا سحب الأجانب مزيداً من الأموال تاركين المكسيك تتخبط في فوضى لم تشهد لها مثيلا.

وتظاهر عشرات الآلاف من المكسيكيين في شوارع العاصمة مكسيكو سيتي، احتجاجاً على رفع الأسعار، بعدما تسبب قرار خفض قيمة العملة الوطنية، في إفلاس آلاف المصانع والشركات، وامتدت آثار الأزمة المكسيكية إلى الأسواق المجاورة في بلدان أميركا اللاتينية، إذ تدهورت قيم مجموعة من العملات في الأسواق المالية بسنغافورة ولندن ونيويوك، وقام المستثمرون في الدول النامية بالتخلص من الأوراق المالية التي يملكونها في الأسواق الناشئة، بهدف الحصول على عملات صعبة منها الدولار الأميركي، والين الياباني، والمارك الألماني، والفرنك السويسري. وفي يوم الاثنين 31 يناير 1995 كانت المكسيك قاب قوسين من إعلان الإفلاس، مالم تحصل على معونة أجنبية عاجلة تمكنها من سداد الديون المستحقة عليها، واضطرت الحكومة المكسيكية إلى إرسال نداء استغاثة إلى الجارة الأميركية لطلب النجدة.

تقول إحدى الروايات التي أرخت للأزمة المكسيكية، إن كبير موظفي البيت الأبيض في عهد كلينتون ليون بانيتا الذي تلقى نداء الاستغاثة المكسيكية، كان يعلم جيداً هو ووزير الخزانة الأميركية روبرت روبين، أن الكونجرس الأميركي لن يستجيب لنداءات المكسيكيين، لذلك حاول الاثنان معاً وضع خطة إنقاذ عاجلة تبلورت معالمها بعد انضمام الرئيس كلينتون اليهما، فور انتهائه من حضور حفل عشاء للجمعية الوطنية لحكام الولايات المتحدة.

قضت خطة الإنقاذ الأميركية العاجلة للمكسيك، بأن يدبر الرئيس كلينتون 20 مليار دولار من الميزانية القادر على التصرف بها من غير الحصول على موافقة الكونجرس، وأن يشارك في الخطة بنك التسويات الدولية، وهو المصرف الذي يعتبر مصرف المصارف المركزية، بمبلغ إضافي قيمته 10 مليارات دولار. ومع ذلك، أدركت الإدارة الأميركية أن مبلغ 30 مليار دولار ليس كافياً لإنقاذ الجارة من الإفلاس، لذلك أرسل كلينتون وكيل وزير الحزانة لورنس سومرز إلى صندوق النقد الدولي الذي لا يبعد عن البيت الأبيض سوى ثلاثة شوارع فقط، ونجح سومرز في إقناع ميشيل كامديسو رئيس الصندوق بدفع 17,5 مليار دولار من غير الرجوع إلى المديرين التنفيذيين في الصندوق، وهو إجراء لم يسبق أن جرى في تاريخ الصندوق. وهكذا خلال ساعات، جرى تدبير نحو 50 مليار دولار.

وبرر كامديسو هذا التصرف بقوله:«الأمر كان يتعلق بالتعامل مع كارثة عالمية حقاً وحقيقة، لقد كانت أول أزمة عظيمة تعصف بعالمنا الجديد، عالم الأسواق المعولمة». ويحدد الاقتصاديون مسببات الأزمة المكسيكية في تدفق غير مسبوق لرؤوس الأموال الأجنبية في أعقاب تنفيذها برنامج الإصلاح الاقتصادي العام 1989، قابله إخفاء حكومي لحقيقة العجز في حسابات العمليات الجارية والتدهور في المدخرات الخاصة، وتقييم العملة الوطنية بأعلى من قيمتها الحقيقية، فضلاً عن الاضطرابات المالية والتقلبات في سعر الصرف التي مر بها الاقتصاد المكسيكي، ويرون أن الدروس المستفادة من الأزمة المكسيكية تتمثل في ضرورة الحيطة من الانفتاح الكامل من دون ضوابط على التدفقات الرأسمالية المتقلبة، ذلك أن الاعتماد على التدفقات الأجنبية يسبب الكثير من المشاكل الاقتصادية للدول المتلقية لهذه الأموال، خصوصاً في حال فقدان هذه الدول للرقابة المحلية، والمغالاة في سعر الصرف الحقيقي لعملاتها، فضلاً عن خطورة الإقدام على تطبيق التعويم الكامل للعملات، وفتح أسواق المال على مصراعيها أمام الاستثمار الأجنبي، وهو الإجراء المتسرع الذي سبب الأزمة المكسيكية، وفقاً للاقتصاديين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا