• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

«وشم بربري» لخير الدين جمعة تخرج من «بئر الأفكار»

تنويعات قصصية تستعيد سيرة الطفولة وجموح الشباب

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 21 يونيو 2014

محمد وردي (دبي)

صدرت حديثاً عن دار “ورق” للنشر والتوزيع مجموعة قصصية جديدة بعنوان “وشم بربري” للكاتب خير الدين جمعة، هي أولى بواكيره الأدبية.

تتألف المجموعة من سبعة عشرة قصة قصيرة، تتوزع على نحو مائة وسبع وستين صفحة من القطع الوسط، وتتمحور بمعظمها على تجارب شخصية وتلوينات حكائية موغلة بذاتيتها، حيث إنها تقوم على استعادة سيرة الطفولة، وجموح الشباب وتفتحه الأول على الحياة في الريف التونسي، الذي يبدو وكأنه في بعض وجوهه بعيد كل البعد عن معالم الحداثة، ما عدا حضور الشرطة في بعض القصص. وفي وجوه أخرى تحضر سيارة المرسيدس، والعم المتنور أو صاحب مقولة “بئر الأفكار” التي دوخت البطل بحثاً عنها. بالإضافة إلى المكتبة والصحف الفرنسية. ما يؤشر في بعض الأحيان إلى إلتباس في موضعة الشخصيات بنسق زماني متناغم مع الأحداث. ومع ذلك فالمجموعة مكتوبة بلغة سهلة وسلسة، وتقيم توازناً إلى حد كبير بين لغة الوصف ولغة السرد، ما يجعل قراءتها ممتعة ولا تخلو من التشويق.

أما القصص التي خرج فيها الكاتب عن الخصوصية الذاتية، فهي: “وشم بربري” و”ذهبت مع الريح” و”القدم والثعبان”، حيث تحكي الأولى قصة عجوز وفدت على البلدة منذ زمن غير معلوم، من دون أن نعرف شيئاً عن سيرتها، أو متى وكيف فقدت زوجها؟ كل ما أرادنا الراوي أن نعرفه عنها، أنها كانت تبدو “أسعد امرأة في الحي! وأقوى عجوز على وجه الأرض!”، فالخالة فاطمة كانت توزع نظرتها الوديعة وابتساماتها الغامرة على من تلقاه في ذهابها وإيابها “كان يُضرب بها المثل في القوة والحكمة، لقد أفنت عمرها في تربية ابنها” المختل، وحالت دوى إزعاجه لأحد. وما إن تكفيه مؤونته، حتى توزع بقية وقتها على نساء البلدة، المتعلقات بلطفها ودماثتها وحكاياتها الشائقة، إلى أن جاء ذلك الصباح الصقيعي حيث دخلت بيت عائشة (أم الراوي) منتوفة مكشوفة، لتعلن إستسلامها ويأسها من جنون ولدها الذي كاد يذهب بحياتها، ولم تنفع معها توسلات عائشة بالبقاء، وبعد أن أخذت ما يسترها ويقيها البرد “خرجت ملقية جسدها الضئيل في لجة رياح الخريف”، فغابت ولم تعد، لكن عبارتها المفزعة وهي تدخل بيت عائشة، ظلت تطارده، “أستريني يا عائشة.. أستريني الله يسترك..”، وتنتهي القصة بانكشاف الصورة على حقيقتها، “كم كنت مخطئاً! خالتي فاطمة لم تكن يوماً أسعد إمرأة في الحي ولا أقوى عجوز على وجه الأرض”. وهكذا يتوقف الحاكي وتنتهي الحكاية، في إشارة دالة على رمزية الصورة النمطية، التي يحرص الإنسان على تصديرها للخارج، بينما هي في الداخل أو الواقع أكثر قسوة ومرارة مما يكشفه للآخر بمرات ومرات. وهي إحالة واعية على سطوة ثقافة الكبت في المجتمعات المفككة ـ بالمعنى الإنساني ـ المحكومة بمنظومات أبوية مستبدة، تلغي ذات الفرد وتشل قدرته في التعبير عن نفسه، حتى في حالة الصراخ تعبيراً عن الوجع، وتدفعه قسراً للتماهي مع النسق الاجتماعي المهيمن. ما يفرض عليه تخزين آلامه بداخله، وعدم مكاشفة الآخرين بها، كي لا يكون ضعفه جسراً لعبور تصوراتهم أو مفاهيمهم، التي لا يثق بأنها ستكون له عوناً للتغلب على ما هو فيه من ضعف إنساني، وإنما هو مقتنع مسبقاً بأنها ستكون بوابة لإذلاله أو نبذه، أو على الأقل بوابة للشماتة بضعفه، أي كان مستوى هذا الضعف أو شكله، أو دوره الشخصي به.

كذلك الحال بالنسبة إلى “وشم بربري” التي تحكي قصة امرأة تقرر أن تلتقي معشوقها من دون تأخير في مواعيدها كما جرت العادة، لا بل دخلت معه برهان على أنها ليست “سخطة” كما يصفها، وأنها ستصل قبله إلى المقهى الموعود في السابعة والنصف صباحاً، ورتبت كل أمورها على الفوز برهانها لأنها عازمة على مفاتحته بامر الزواج خلال هذا اللقاء.

يلتقط الراوي كل التفاصيل من لحظة رنين المنبه لإيقاظ البطلة حتى ركوب “التاكسي” في طريقها إلى الموعد، وهناك تكتشف أنها رمت بالمكب بدلاً من كيس الزبالة حقيبتها، التي أودعتها رسائل المحبوب جميعها، بغرض إزالة شكوكه وإقناعه بأنها تحتفظ بها. فتقفل عائدة، وتنتهي القصة بقَفّلة فنية طريفة ومقنعة وممتعة في الوقت عينه.

أما القصة الثالثة والأخيرة، التي تبتعد عن الخصوصية الذاتية، فهي قصة “القدم والثعبان”، التي يمكن اعتبارها بحق، من أجمل قصص المجموعة على مستويات عدة، سواء لجهة البناء الفني، والقفلة الرائعة للحكاية، أو لجهة عمق الأفكار والرسائل الثقافية التي تحملها القصة، فضلاً عن جذالة اللغة وإقتضابها المحكم، بحيث بدت خالية من الزيادات والاسترسال أو اللغو غير المبرر. فالقصة تروي حكاية موظف في مؤسسة لا نعرف عنها شيئاً، مطالب بتقديم مداخلة حول “قدرة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة على تعلم العربية بالاعتماد على الحركة”، ومرهونة ترقيته بإنجاز الدراسة، بعد أن أمهله الموجه مدة أسبوع يعمل خلاله بنصف دوام. فيمر أربعة أيام دون أن يعرف البطل من أين يبدأ موضوعه. وفي إطلالة غير مقصودة من شرفة غرفته، يرى جاره لأول مرة يعبر الشارع إلى الحديقة المقابلة حاملاً كوباً من الشاي بالحليب إلى عجوز يجلس على كرسي هناك، وما إن وقعت عينا العجوز عليه حتى بادره بالتحية داعياً إياه للتنعم بصباح الحديقة الجميل، فلم يتردد البطل بالنزول، وهناك يجد المداخلة التي يبحث عنها، بخبرة العجوز الهندي، الذي نكتشف بنهاية القصة أنه كان يعمل طيلة حياته اسكافياً، وأنه مقعد على كرسي نقال منذ سنوات طويلة.

القصة تقدم رسائل فائقة الجمال والشفافية، محملة بالدلالات الإنسانية والثقافية على كل المستويات المعرفية والأخلاقية والدينية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا