• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الشعوذة الاقتصادية في اليابان

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 21 يونيو 2014

ويليام بيسك

محلل سياسي متخصص في منطقة آسيا والمحيط الهادي

بعد أن عجز رئيس الوزراء الياباني السابق يوشيهيكو نودا عن تطبيق سياسة زيادة ضريبة المستهلك بينما كان في السلطة ها هو ينتقد بشدة رئيس الوزراء الحالي شينزو آبي بسبب السياسة ذاتها. وعلى رغم الضغينة ووخز الندم، فقد ساق «نودا» حجة تبدو في محلها تماماً عندما اتهم «آبي» بتبني نظريات رونالد ريجان التي انكشف زيفها بشأن تسرب الرخاء من أصحاب المال إلى الطبقات الفقيرة. ويعتقد «نودا» أن برنامج «آبي» الاقتصادي الذي جعل اليابان تعود للظهور على المسرح الدولي «ضرب ما من اقتصادات الشعوذة». ويتعلق السياق المباشر لتصريحات «نودا» بضريبة المبيعات في اليابان التي وافقت حكومته بين عامي 2011 و2012 على زيادتها على مرحلتين لاحتواء أكبر عبء ديون في العالم. ولكن في أبريل الماضي أقدمت حكومة «آبي» أيضاً على تقرير أول زيادة لتصل إلى 8 في المئة، ولكن هناك أسئلة بشأن الخطوة التالية وما إن كانت ستصل إلى 10 في المئة العام المقبل. وحذر «نودا» من أنه إذا لم تتم زيادة الضريبة فإن هذا «يعني أن استراتيجية الإدارة المالية اليابانية ستنهار، وأن احتمالات المخاطر في السوق كبيرة».

ولكن الملفت للانتباه بشكل أكبر هو انتقاد «نودا» لخطة «آبي» بشأن الضرائب على الشركات. صحيح أن نسبة الضرائب التي تقترب من 36 في المئة هي من بين أعلى النسب في العالم، وخفضها قد يجعل اليابان مقصداً أكثر جاذبية للاستثمار. ولكن، كما يسأل «نودا»، ألن يعصف خفض ضريبة الشركات أيضاً برفع الضريبة على الاستهلاك؟ هذا صحيح قطعاً، والخبراء في مؤسسات التقييم المالي في «موديز» و«ستاندرد آند بورز» لن ينخدعوا بهذا الاحتيال المالي. والأهم من هذا هو اقتناع «آبي» بإيديولوجية عهد ريجان التي تتمثل في خفض الضرائب على الشركات وتقليل العوائد على الأرباح من أجل تحفيز النمو ودعم عائدات الضرائب، وبالتالي تحسين مستويات المعيشة. وفي نوفمبر 2012، قدمت طوكيو واحدة من أكبر الإشارات على تحسن أحوال الشركات مما جعل «الين» ينخفض بنسبة 20 في المئة. ولكن بعد 19 شهراً هل تقاسمت الشركات الثروة مع الآخرين؟ لا. لم يحدث ذلك.

والمال طبعاً موجود بوفرة. فشركات اليابان العملاقة ترتاح على تلال غير مسبوقة من النقد. وفي نهاية عام 2013، كانت الشركات الخاصة، باستثناء الشركات المالية، تنعم بما لا يقل عن 2,2 تريليون دولار من النقد. وهذا المبلغ يتقزم بجانبه ما لدى الشركات الأميركية من نقد، وهو عمل بطولي عند الأخذ في الاعتبار أن الناتج السنوي الأميركي أكبر من ناتج اليابان 2,7 مرة. وبهذا الحجم من المال تستطيع الشركات اليابانية أن تجمع ما اقتنصته وتشتري به رضا روسيا وتوفر معظم احتياجاتها من الطاقة مثلاً. ومع الأخذ في الاعتبار أن أي زيادة في الرواتب حتى الآن في عام 2014 لا تكاد تذكر، فإن حصيلة المال المتكدس تزايدت بالتأكيد. ومن ثم، فمن الصعب الجدال بأن معدلات الضريبة الحالية على الشركات تضر بالشركات اليابانية. ولا يمكن الزعم أيضاً بأن الضرائب هي العائق الرئيسي أمام كثير من الشركات الأجنبية التي قد ترى لها مأرباً في السوق اليابانية، فمعدل الضريبة على الشركات في الولايات المتحدة أعلى بكثير. ومشكلات اليابان تتمثل في الهرم السكاني العجوز وانخفاض الإنتاجية والعائدات المحبطة على الاستثمارات وقوة العمل المكلفة والمتزمتة، وسياسات الهجرة التي تضمن القليل من التنوع في الآراء وسط المديرين، والافتقار بصفة عامة للابتكار وسط صفوف الأفراد العاديين.

والسؤال: لماذا لا تمضي اليابان على الطريق الآخر وتدعم الشركات المبتدئة، بدلاً من خدمة مصالح الشركات العملاقة؟ وكيف يكون من الإصلاح الضريبي أنه لمجرد أن تفتح شركة مكتباً في طوكيو أو أوساكا أو فوكوكا اليوم، وتشغل بعض الموظفين وتلبي معايير معينة للنمو، تعفى من دفع ضرائب لمدة خمس سنوات. وهذا هو السبب في أن الثروة تتراكم في أعلى ولا تتسرب إلى أسفل. وقد أظهرت سياسات الرئيسين الأميركيين السابقين ريجان وجورج بوش أن الشركات عموماً أكثر ميلاً لأن تستخدم خفض الضرائب في تضخيم ثروات المديرين التنفيذيين وحملة الأسهم، وليس العمال. وبهذا يغتبط مرتفعو الدخل وتتدهور أحوال الأفراد العاديين المعيشية. والمهمة الهائلة لإعادة الهيكلة التي يضطلع بها «آبي» مضنية حقاً ولا توجد عصا سحرية لتخفيف القيود عن الصناعة وتحسين وسائل إدارة الشركات وتشجيع روح الاستثمار. فلماذا إذن يعتقد أنه قادر على إنجاز المهمة عن طريق التوسل بالشعوذة؟

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا