• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

زحف «داعش» خلط أرقام المعادلة

سوريا وبلاد الرافدين.. لحظة تشابك الصراعين

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 21 يونيو 2014

نيكولاس بلانفورد

كاتب أميركي

مع ظهور المسلحين الإسلاميين المتشددين في موقع الصدارة، فيما يبدو أنها انتفاضة سنية عامة ضد حكومة بغداد التي يهيمن عليها الشيعة، بدأ الصراعان في سوريا والعراق يندمجان ويتشابكان تحت وقع التنافس الطائفي واختلاف الحسابات الإقليمية والداخلية. وهذا الاندماج والتداخل بين الصراعين يظهر بوضوح في ارتدادات الهجمة الأخيرة على الموصل وسقوطها في يد «داعش»، وأيضاً في تأثيراتها على الحرب الأهلية الجارية في سوريا، حيث شرع النظام السوري والمعارضة التي تقاتله في مراجعة حساباتهما وتغيير تقديراتهما تبعاً لتداعيات التطور الميداني على الساحة العراقية وما قد ينتج عنه من تحولات إقليمية. ومن بين عناصر المعارضة التي قلبت المعادلة يبرز تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الذي تمكن خلال الأسبوع المنصرم من إحكام قبضته في هجوم خاطف على الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بل إنه أعلن نيته الزحف على بغداد، لتبدأ المخاوف ليس فقط في واشنطن التي دعمت النظام العراقي وأسست العملية السياسية الحالية، بل أيضاً لدى النظام السوري. ومع التطورات الأخيرة في العراق أقدم سلاح الجو السوري، ولأول مرة، على تنفيذ هجمات جوية على معاقل «داعش» في محافظتي الرقة والحسكة، وهما المنطقتان اللتان انطلقت منهما الهجمات الأخيرة على العراق التي انتهت بالسيطرة الكاملة على الموصل.

وعن هذا الموضوع يقول فريدريك هوف، الباحث في «مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط» التابع للمجلس الأطلسي: «كانت داعش مفيدة لنظام الأسد، ولحليفها إيران بما شكلته من ضغط على المعارضة السورية المعتدلة. ولكن بالنظر إلى ما حدث في العراق انتهى العمر الافتراضي لداعش في سوريا وما عادت مفيدة». وعلى رغم أن الطرفين يعدان من أشد الأعداء من الناحية النظرية، إلا أن «داعش» امتنعت طيلة الفترة السابقة عن استهداف نظام الأسد، مركزة بدلاً من ذلك على بناء ما تسميه «دولتها الإسلامية» في شمال سوريا وطرد المعارضين الأكثر اعتدالاً. وفي المقابل لم يزعج النظام «داعش» وتركها لحالها، ما سمح للجيش السوري بالانصراف إلى قتال المعارضة، وفي الوقت نفسه منح النظام فرصة لفت أنظار العالم للفظائع التي ترتكبها «داعش» و«الجهاديون» وتبرير حربه أمام الرأي العام الدولي بأنها ضد «الإرهابيين»!

بيد أن الاضطرابات الأخيرة في العراق غيرت هذه الحسابات، بل أثارت عدة تساؤلات حول قدرة الأسد على الاستمرار في الاعتماد على المقاتلين الشيعة العراقيين الذين هبوا لمؤازرته طيلة الفترة الماضية، فخلال الأسابيع القليلة الأخيرة غادر آلاف المقاتلين الشيعة العراقيين الذين كانوا يدافعون عن النظام في سوريا، وذلك حسب ما أفاد تقرير دبلوماسي صادر عن إحدى السفارات الأوروبية في بيروت. ويبدو أن بعض الشيعة العراقيين انسحبوا تحديداً من بلدة «رنكوس» في منطقة القلمون شمالي دمشق بعد أن استعادت القوات النظامية البلدة قبل شهرين. ولكن ابتداء من الأسبوع الماضي استغلت المعارضة السورية ضعف حضور/ وجود النظام في البلدة لشن هجوم مضاد أسفر عن مقتل 11 عنصراً من عناصر «حزب الله».

وعلى رغم سلسلة النجاحات العسكرية الأخيرة التي حققها النظام غرب سوريا على مدى السنة الماضية، لم يتبق لديه ما يكفي من قوات للسيطرة على المواقع الجديدة، ومع الضعف الذي نال قواته بسبب الإرهاق والانشقاقات في صفوف الجيش بدأ النظام يعتمد بشكل أساسي على حلفائه، وبالأخص «حزب الله»، والميلشيات الشيعية القادمة من العراق، فضلاً عن قوات الدفاع الوطني التي شكلها النظام قبل أشهر وتتألف أساساً من الطائفة العلوية. وحسب التقديرات ينتشر في سوريا ما لا يقل عن خمسة آلاف عنصر من «حزب الله»، وهم من كانوا وراء الهجمات الكبرى التي قادها النظام خلال السنة الماضية بإسناد من المدفعية السورية والطيران. وقبل الاضطرابات التي تعصف حالياً بالعراق كان ما لا يقل عن 30 ألف مقاتل شيعي عراقي ينتشرون في سوريا، وأغلبهم من العناصر ضعيفة التدريب والعاملة بعقود إيرانية لفترة ستة أشهر مع تعهد بحصولهم على عمل لدى عودتهم. وحتى قبل استيلاء «داعش» على الموصل تم سحب المقاتلين العراقيين من سوريا لمواجهة التوترات المتصاعدة في العراق. ولكن مع التهديد بالزحف على بغداد، وتوعد المتحدث باسم «داعش»، أبو محمد العدناني، بدخول كربلاء والنجف، وهما المدينتان اللتان تضمان مراقد مقدسة لدى الشيعة، تفاقم الموقف ليعجل بسحب الميلشيات الشيعية من سوريا، إذ بالنسبة للشيعة العراقيين تمثل حماية المزارات المقدسة أولوية تفوق في استعجالها الدفاع عن النظام السوري.

وهذا الانسحاب المتوقع للمقاتلين العراقيين من سوريا يعني أن نظام الأسد قد يجد نفسه أكثر اعتماداً على «حزب الله» اللبناني، ما سيؤثر على قاعدة الحزب المتآكلة في ظل السقوط المتزايد لعناصره في الحرب الأهلية السورية، وأكثر من ذلك من شأن الأزمة المستجدة في العراق أن تغير الحسابات الإقليمية والدولية تجاه سوريا، فمشهد مقاتلي «داعش» وهم مدججون بالسلاح والعتاد الأميركي الذي غنموه بعد دخولهم الموصل وانتزعوه من القوات العراقية قد لا يشجع البيت الأبيض على تزويد المعارضة السورية المعتدلة بالأسلحة مخافة تكرار الأمر معها وسقوط تلك الأسلحة في يد المتطرفين. وبالمثل سيكون على إيران أيضاً إعادة حساباتها على ضوء ما يجري في العراق، فقد التزمت طهران باستثمار مالي وعسكري كبير لدعم نظام الأسد خلال السنوات الثلاث الماضية، لتجد نفسها اليوم مطالبة بترتيب أولوياتها والتركيز ربما على الموضوع العراقي من خلال السعي لإنقاذ حكومة المالكي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا