• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

عن التثاقف والأفق الجمالي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 نوفمبر 2016

محمد نور الدين أفاية

يولّد التمازج الثقافي حالة من القلق لدى المرء، الذي لا يزال يشك في متانة مقومات هويته. وتؤدي وضعية الهجانة، بالمعنى الثقافي، إلى نوع من عدم الاطمئنان إلى الصور الذاتية التي يرنو العربي إلى التقدم بها إلى العالم. لكن، هل يعثر المرء، على طول الجغرافيا العربية، على مشروع سياسي يواجه هذه الحالة بشجاعة ويتحمل مسؤولية هذا الوجود المختلط؟

قد يبدو هذا السؤال ساذجاً إلى حد ما، قياساً إلى ما تشهده الساحات العربية من اهتزازات وتفجرات، وخراب. لكن مع ذلك لا مناص من الإقرار بأن «هوس الهوية»، الذي لا تكف الخطابات العربية المعاصرة عن صياغته، يمثل عَرضاً من أعراض الفشل السياسي في مجتمعاتنا. فهو يعبر عن ذاته من خلال الخوف الدفين على أن نصبح ما لسنا نحن، أي أن العربي يجد نفسه أمام المأزق التالي: يتعين عليه أن يحافظ على مقومات الذات، ومضطرٌّ إلى أن يتغير في الآن نفسه، إلا أنه إذا تشبّث بالمحافظة على ذاته، كما هو، فإنه يجد نفسه معرّضاً للاهتزاز، وإذا تغير فإنه يخاطر، أيضاً، بضياع بعض مكوناته.

يتعلق الأمر بـ«قلق عربي»، وهو قلق راجع إلى المحاولات الدائمة والمتجددة للانتقاص من العقل، إن لم نقل لاغتياله، أو بـ«نظرة مبتورة» كما يرى «داريوش شايغان»، تمرر آليات الانسداد والتشذر التي تشوش على تمثل الأشياء. يعبر ذلك عن تردد بين الذات وذاتها، وبين الغير وآخر الذات. وسواء تعلّق الأمر بمجرد قلق أو بتر حقيقي، بسؤال حيوي أو ذريعة، فإن جدل الهوية يتحقق، دوماً، في التوتر، ويغتني في/‏ وبالصراع. وبقدر ما أتبرم من الاعتقادات والتقاليد وأنماط السلوك التي لم أخترها، كلما ارتبطتُ بالـ«هنا» و«الآن»، بذاكرتي وبمحيطي الثقافي، بالرموز التي تحددني في المكان والزمان. تفرض الهوية تفاصيلها، حيث يتدخل المرء في الحاضر ويبدع، حين يتحقق ويتذوَّت.

من هذا المنطلق تتساوى كل المرجعيات والمتون والتجارب والنماذج أمام مساحة الوعي، لأن الاختيار، في هذه الحالة، لا يتم على قاعدة الانتماء العرقي أو الإثني أو الديني، وإنما استناداً إلى أسس فكرية وإلى اعتبارات جمالية. وسيكون من الوهم الاعتقاد في أن حسن الإرادة والتسامح والفضول تكفي لكي يتأسس انفتاح ما على المغايرة، لأن قبول الآخر، في اختلافه في أكثر الأحوال، نتاج مسار صعب يمر عبر الوعي اليقظ بالنزعة المتمركزة حول العرق الثاوية في نظرتنا إلى الآخر.

التثاقف وسؤال الهوية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف