• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

لا يُقاس إلا بفراغه

الزمن.. والفضاء الافتراضي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 نوفمبر 2016

سعيد بنگراد

تتميز التجربة الإنسانية بطابعها الزمني الخالص، فليست حياة الفرد والجماعة والأمة كلها سوى تصريف لكم زمني لا أحد يعرف حصته الحقيقية منه. ومع ذلك، فإن الزمن ذاته هو إفراز لِحِس ثقافي، وليس معطى سابقاً مودعاً في الذاكرة البكر. فنحن لا نُدرك وجوده إلا عندما يتحول إلى «قيمة استعمالية» يحاصرنا بما أُنجِز أو بما هو موضوع للإنجاز داخله، وبدون هذه القيمة، فإنه لن يكون سوى سديم يمتصه الانفعال العابر في تفاصيل الوجود. وذاك ما تُشير إليه إيقاعاته، فالزمن في البوادي النائية وفي الصحاري وعند البدائيين قبلهم كان يتسع لكل شيء، بما فيها حالات «الفراغ» التي لم يكن الناس يعرفون كيف يملؤونها بفعل يتخذ الزمن داخله «شكلاً». إنه بذلك، لا يمكن أن يوجد إلا في حالات «الإكراه» وحدها، أما خارجها، فهو «لحظات رفاه» يختلسها الناس للعيش خارج الزمنية أو في غفلة منها. وذاك ما دفعهم إلى اقتطاع زمن ثالث من دفقه الدائم وتوجيهه إلى المتعة والانتشاء بما يوجد خارج النفعي في وجودهم.

ورغم طابعها ذاك، فإن هذه التجربة تتحقق الآن داخله بطريقة لم يألفها الناس. لقد انزاحت، بفضل الاختراعات العلمية المتعددة، عن هذا التصنيف، أو وُجهت الزمنية داخلها وفق ما يشتهيه نظام اقتصادي يبيع كل شيء لا يعنيه سوى بالربح ولاشيء غيره. هناك إبدالات جديدة تتحكم في «صبيبه» وهي ما يحدد أشكال تَجَليه. وذاك ما عبر عنه المدير العام للقناة الأولى الفرنسية مرة، وهو يتحدث عن وظيفة التلفزيون، حين حصرها في «بيع الزمن المتبقي في ذهن المستهلكين إلى الشركات الكبرى». فكل البرامج في نهاية الأمر، من أبسطها إلى أعقدها، ليست سوى إعداد وتهييء لذهن يجب أن ينتهي إلى شراء سلعة أو خدمة أو واجهة اجتماعية، وذلك وفق المتاح من الزمن في الافتراض الشبكي، أو في ما تقدمه المسلسلات الآتية من المكسيك أو تركيا.

بعبارة أخرى، إننا نعيش ضمن الإبدالات التي أفرزها العصر الراهن ضمن «زمنية تهيمن عليها الهشاشة. إنها مزيج من اندحار البناءات الإرادية للمستقبل وما يوازيها من انتصار للقيم المتآكلة المرتكزة على حياة تتميز بطابعها الحاضر وحده. بعبارة أخرى، إننا نعاين، في هذا العصر، بروز زمنية اجتماعية فريدة تهيمن عليها الـ هنا والآن»(1). فلا شيء يَلُوح في الأفق عند الناس، ولا شيء يأتيهم من الماضي، كل شيء يتم ضمن «الرغبة» باعتبارها لحظة هشة تشكو من جاذبية الأحلام ومتعتها. فما يلهث الناس وراءه ليس «أملاً» أو «رجاء»، بل محاولة للإمساك بمضمون شحنة انفعالية لا تُشبَع إلا في الافتراضي: ما يقدمه الهاتف المحمول، أو ما تُلوِّح به «جدران» الفيسبوك التي تُعطي وتستعيد ما أعطته حسب ما تقوله «الجيمات» (اللايكات) أو تتجاهله.

لقد «أُقصي» الزمن «الفعلي» من الفضاء العمومي وأُودع في مساحات الافتراضي ضمن ما تُبيحه الحواسيب واللوحات والهواتف المحمولة، وهي أشكال تواصلية جديدة تتحكم في وجودنا وتُوجهه وتَشْرِطه بكل ما يجب أن يقود إلى الاستهلاك وحده، ففيها أودعنا كل شيء: الرغبة والحلم والذاكرة، وإليها نَهرب من واقع لم نعد ندرك تفاصيله إلا من خلال الصور الدالة عليه. يتعلق الأمر بإشباع لرغبات يتحقق جزء كبير منها في ممارسات لَهْو يقوم بها الكبار والصغار في كل مكان: في البيوت المغلقة وفي المقاهي والحدائق العمومية. وقد يكون هذا ما يُفسر ظهور وحدات جديدة لقياس حجم الزمن بعيداً عن فعل يمتص جوهره ويحوله إلى «تعب» و«جهد» أو «حسرة» و«ندم» و«ترجي»، فما يؤثثه الآن حقاً هو «لَهْو عابر» يتم ضمن حاضر منكفئ على نفسه.

الزمنية الاستهلاكية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف